سمّى الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس، أعضاء الثلث المتبقي من مجلس الشعب المكوّن من 210 أعضاء، بعد أشهر من اختيار الثلثين الآخرين عبر لجان انتخابية، على أن يعقد المجلس الاثنين المقبل أولى جلساته منذ إطاحة النظام السابق. وتلا رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد أسماء الأعضاء الـ 70 المعيّنين بموجب مرسوم رئاسي، موضحًا أن الأسماء تضمّ "نماذج مشرّفة من أبناء الوطن، من بينهم ذوو الشهداء والناجون من المعتقلات والهجمات الكيماوية"، إلى جانب "نخبة من الأكاديميين والوجهاء"، بهدف أن يعبّر المجلس "عن مختلف شرائح المجتمع السوري ويجسّد وحدة الوطن بعيدًا من أي اعتبارات مناطقية".
ويتوزّع الأعضاء الـ 70 بين 55 رجلا و15 امرأة، ليرتفع عدد النائبات إلى 21، بعدما انتهت عملية الاختيار العام الماضي بتعيين ستّ نائبات فقط. وشملت التعيينات 13 معتقلا سابقًا في سجون الأسد. ومن بين مَن عيّنهم الشرع الممثلة التلفزيونية روزينا لاذقاني، والناشطة عائشة الدبس، مسؤولة مكتب شؤون المرأة في الإدارة السورية الجديدة، التي كانت أوّل امرأة تشغل منصبًا رسميًا فيها، قبل أن تثير لاحقًا جدلا واسعًا بسبب تصريحاتها في شأن دور المرأة والمرجعية الشرعية. ولم يحدّد المسؤولون عدد المنتمين إلى الأقليات الدينية والعرقية من النواب المعيّنين حديثًا. وذهبت 10 مقاعد العام الماضي إلى أعضاء من الأقليات الدينية والعرقية، بمَن فيهم الكرد والمسيحيون والعلويون.
كما شملت اللائحة الرئيس السابق لحركة "أحرار الشام" حسن صوفان، الذي أمضى 12 عامًا في سجن صيدنايا، والرئيس السابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أنس العبدة، ونوار نجمة الذي كان عُيّن في 2025 عضوًا في اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، والمسؤول السياسي في "المنظمة الآثورية الديمقراطية" وأحد الوجوه المعروفة في العمل السياسي الآشوري - السرياني المعارض كبرئيل موشي كورية. ولم يجرِ اختيار أعضاء ممثلين عن محافظة السويداء بعد، إلّا أن الشرع سمّى عضوين من المحافظة، من بينهما ليث البلعوس الذي كان قائد فصيل مسلّح قبل سقوط الأسد والمقرّب حاليًا من السلطات في دمشق. وقال الأحمد: "عندما تصبح الظروف مناسبة لإجراء انتخابات في هذه المحافظة سنقوم بذلك".
ويأتي ذلك بعدما اتّخذ الشرع، منذ وصوله إلى دمشق، سلسلة خطوات لإدارة المرحلة الانتقالية، شملت حلّ مجلس الشعب، ثم توقيع إعلان دستوري حدّد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، ونصّ على آلية اختيار مجلس الشعب، الذي يتعيّن أن يمارس صلاحياته إلى حين وضع دستور دائم للبلاد وإجراء انتخابات على أساسه. وجاء استكمال تشكيل مجلس الشعب، وولايته 30 شهرًا، وهي قابلة للتجديد، بناءً على آلية حدّدها الإعلان الدستوري، تضمّنت اختيار ثلثي أعضاء المجلس من قبل هيئات مناطقية شكّلتها لجنة عليا، عيّن الشرع أعضاءها، في عملية جرت في تشرين الأوّل.
غير أن العملية أثارت جدلا واعتراضات من مكوّنات رئيسية في البلاد، إذ استُثنيت حينها من التمثيل مناطق سيطرة القوات الكردية في شمال شرق البلاد والمناطق ذات الغالبية الدرزية في جنوبها، على وقع توترات مع السلطة المركزية في دمشق. وبعد اتفاق بين الكرد ودمشق نصّ على دمج مؤسّساتهم في إطار الدولة السورية، جرت عملية اختيار ممثلين للمناطق ذات الغالبية الكردية، وهي عملية رفضت أحزاب وقوى كردية نتائجها، معتبرة أن الأشخاص الذين جرى اختيارهم "يمثلون أنفسهم فقط". ومن صلاحيات المجلس الجديد "تشكيل لجنة لكتابة مسوّدة الدستور"، وفق الأحمد، الذي أشار إلى ضرورة أن "يراعي الظروف التي تمرّ بها سوريا ويلبّي تطلّعات المجتمع السوري".
وأوضح الكاتب والباحث السياسي ماهر تمران لوكالة "فرانس برس" أن "اكتمال تشكيل مجلس الشعب لا يعني فقط إضافة مؤسسة جديدة إلى هيكل الدولة، بل يعني أن سوريا بدأت تنتقل تدريجيًا من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة بناء المؤسسات"، معتبرًا أن "اكتمال مجلس الشعب ليس نهاية المرحلة الانتقالية، بل بداية اختبارها الحقيقي". وتساءل: "هل سيكون قادرًا على مساءلة الحكومة؟ هل سيشارك فعلا في صناعة التشريعات؟ هل سيعكس التنوّع الموجود في المجتمع السوري؟". وانتقد حقوقيون في وقت سابق صلاحيات الشرع في تشكيل مجلس الشعب الذي سيضطلع بمهمّات واسعة تشمل اقتراح القوانين وتعديلها، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة.
ووجّه سوريون انتقادات صريحة لآلية تشكيل البرلمان في ظلّ غياب الانتخابات المباشرة من الشعب وسوء تمثيل النساء. كما ندّدت منظمات المجتمع المدني بحصر الشرع، الذي يتولّى عمليًا السلطة التنفيذية، كلّ السلطات بيده، في ظلّ غياب منصب رئيس الوزراء. وتتعرّض السلطات لانتقادات بسبب ضعف تمثيل الطوائف العرقية والدينية في البلاد، في وقت اعتبر فيه الشرع أن الانتخابات "خطوة موَقتة إلى أن تتوافر البيئة الأمنية والسياسية لإجراء انتخابات مباشرة يشارك فيها جميع السوريين"، الأمر غير المتاح حاليًا بسبب "ضياع الوثائق"، ووجود العديد من المواطنين في الخارج بلا وثائق.