لا فتنة إلا بأمر. ولا حرب أهلية بالغلط. وإذا كان التحذير من الفتنة، وسط الخلاف على اتفاق "الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائيل وأميركا، واجبًا وطنيًّا، فإن ما يكمل الواجب هو جواب عن سؤال لا مهرب منه: هل ما يقود إلى الفتنة هو سحب السلاح وتحريم النشاط العسكري والأمني خارج القانون بالأكثرية الرسمية المدعومة شعبيًّا وعربيًّا ودوليًّا أم الحفاظ عليه بقوة السلاح ضد الأكثرية؟ وماذا عن التهديد بالحرب الأهلية كسلاح للدفاع عن سلاح "حزب الله" الذي شارك في حرب سوريا أيام الأسد وبدأ حرب إسناد غزة ثم إيران، بحيث عاد الاحتلال الإسرائيلي إلى لبنان؟ هل هذه ممارسة سياسية عند الحشرة، مع الادعاء أن الذين يتسببون بالذهاب إلى الحرب الأهلية هم الرافضون لها وغير المستعدين لخوضها والمثقلين بالتجربة القاسية المرة في حرب لبنان الطويلة والمرشحين لأن يكونوا ضحاياها، ثم المطالبة بمكافأة سياسية لصاحب التهديد؟
من السهل على الخبراء في العلوم السياسية والاستراتيجيات التذكير بتاريخ العالم والمقاومات فيه والتنظير الذكي لضرورة وجود مقاومة في غياب الدولة وحتى مع الدولة العاجزة عن حماية شعبها ومواجهة الاحتلال. لكن من الصعب أن بتجاهلوا أن المسألة ليست الحق في المقاومة، لأن المشكلة في لبنان التعددي هي هذا النوع المذهبي الأيدیولوجي المغلق والمرتبط بالحرس الثوري من المقاومة، بصرف النظر عن أداء مقاتليه في الميدان. والمشكلة هي في "مقاومة إسلامية" دائمة مع الاحتلال ومن دونه، بدل المقاومة الوطنية زمن الاحتلال فقط.
ولا ألغاز وأسرار. فالشیخ نعیم قاسم يقول في أحد كتبه إن "المقاومة لیست موجودة بفعل الظرف بل بفعل المبدأ، والمبدأ لا ينتهي ولا يتغير ولو تغيّرت الظروف". وليس في أي مكان في العالم مقاومة دائمة. لكن الجمهورية الإسلامية في إيران فعلت ذلك عبر تأسيس أذرع مسلحة في البلدان العربية مرتبطة بالحرس الثوري ومؤمنة بولاية الفقيه وعاملة للمشروع الإقليمي الإيراني، ولن تنتهي قبل عودة صاحب الزمان. والانطباع السائد أن "حزب الله" هو الوكيل الإقليمي الشرعي للولي الفقيه وله مهام عدة في المنطقة بعضها قتال إسرائيل ومواجهة أميركا والغرب والعرب.
والمفارقة أن اختلاف الرهانات على التحولات الإقليمية قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران استمر بعدها، بصرف النظر عن قراءة الحرب وما بعدها. فالذين راهنوا على نهاية دور السلاح والمشروع الإيراني لا يزالون على رهانهم وقراءتهم للمتغيّرات. والذين لديهم رهان ثابت على دور السلاح وإيران وتعاظم قوتهما ازدادوا اقتناعًا بالسيطرة على لبنان والمنطقة بعد المتغيرات. ولا شفاء من سوء التفاهم. فكل خطوة لإنهاء الاحتلال وإعادة الإعمار وعودة النازحين وتقديم المساعدات للتعافي المالي والاقتصادي وبناء مشروع الدولة يتوقف البدء بها على تحقيق سحب السلاح غير الشرعي. وكل ما يدور في بيروت وعواصم المنطقة والعالم ولا سيما في مفاوضات واشنطن هو في خطاب "الحزب" تركيز على "مؤامرة كونية" ضد "المقاومة الإسلامية " لا يفشّلها سوى الارتباط الإيراني.
ولا نجاة للوطن الصغير من دون التخلص من الاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الإيرانية، واستعادة أسس الوفاق الوطني وبناء الدولة الوطنية. ولا بد من رؤية الواقع في مواجهة سياسة التهويل بالكوارث وسياسة التهوين من المصاعب. والأهم وهو التخلص من سياسة التمسك بخيار وحيد ولو سقط، وسياسة القفز بين خيارات ليست في اليد. و"الميليشيات هي البنية التحية للحرب الأهلية"حسب زالماي خليل زاد.