في أيار 1939، فيما كانت أوروبا تتجه نحو خوض الحرب، اكتشف عالم الآثار والحفار الهاوي باسيل براون كنزاً قيّماً بعد تكليفه بحفر تلال ضخمة في عقار إديث بريتي في مقاطعة "سوفولك". فعثر في البداية على هيكل سفينة يصل حجمها إلى 88 قدماً وتعود إلى العصر الأنغلوسكسوني. شكّلت هذه العملية المرحلة الأولى من "أحد أهم الاكتشافات الأثرية على الإطلاق في علم الآثار البريطاني أو حتى في العالم أجمع" بحسب رأي أمينة المتحف البريطاني سو برانينغ. في المرحلة اللاحقة، تم اكتشاف حُجْرة الدفن داخل السفينة وكانت مليئة بمجموعة ثمينة من القطع الأثرية المحفوظة على نحو شبه مثالي والمصنوعة من الذهب وحجر العقيق. قدّمت بريتي تلك القطع إلى المتحف البريطاني حيث تقبع حتى اليوم وتُعرف باسم "اكتشاف ساتون هو". هذه القصة المدهشة هي محور الفيلم الجديد The Dig (عملية الحفر) على شبكة "نتفلكس". العمل من إخراج سايمون ستون وقد اقتبسته كاتبة السيناريو مويرا بوفيني من رواية جون بريستون.
يبدو "باسيل براون" (رالف فاينز) رجلاً متواضعاً وهو ينتمي في الأصل إلى الطبقة العاملة وقد تعلّم كيفية استكشاف المواقع الأثرية من والده وجدّه. تقيم "إديث بريتي" (كاري موليغان) في عقار ضخم مع ابنها الصغير "روبرت" (أرتشي بارنز) وتوظّف "باسيل" من متحف "إبسويتش" لحفر التلال في عقارها. لا يحمل "باسيل" آمالاً كبرى في البداية، فيخبرها بأن الكثيرين استكشفوا هذه المواقع على مر القرون. لكنها تعرض عليه مبلغاً أكبر مما يجنيه في المتحف، لذا يوافق على العرض. سرعان ما يتعلّق "روبرت" الصغير بـ"باسيل" لأنه يرى فيه صورة الأب الذي يفتقده، فيتجول حوله على التلال في معظم الأوقات. في البداية، يستعين "باسيل" بفريق صغير ومتخصص. لكن بعد اكتشاف السفينة، تصل حشود من الخبراء إلى "سوفولك" رغبةً منها في المشاركة بهذا المشروع.

يتّسم الفيلم بالبساطة والرقي ويسلّط الضوء على المناظر الطبيعية في مقاطعة "سوفولك" التي تتميز بحقولها الشاسعة وسمائها اللامحدودة. يحمل العمل طابعاً مشوقاً بشكل عام، لا سيما في مراحل التنقيب الأولى، عندما تقتصر المشاهد على النقاش الحاصل بين "باسيل" و"إديث" حول طريقة تنفيذ المشروع. تهتم "إديث" منذ شبابها بعلم الآثار وتم قبولها في الجامعة لدراسة هذا الاختصاص. لكن سرعان ما أفسد والدها خططها، فاضطرت للاعتناء به خلال فترة مرضه الطويلة ثم تزوجت بعد وفاته. يشرح الفيلم هذه الخلفية الحزينة من قصتها من خلال عبارة أو اثنتَين بكل بساطة، لكن تظهر رواسب هذه المعاناة دوماً على وجه موليغان الحازم وتعكس ملامحها مشاعر الخسارة وخيبة الأمل. لطالما سيطر والدها على حياتها وقد أصبحت أرملة الآن وتعاني من مشاكل صحية حادة، لذا تقرر حفر تلك التلال رغم اقتراب اندلاع الحرب.
تحتدم الأحداث حين يصل الآخرون إلى تلك الأرض لمتابعة الحفر واكتساب الإشادة. يؤدي كين ستوت دور عالِم الآثار المشهور "تشارلز فيليبس" الذي يعتبر ذلك الموقع أهم من أن يبقى تحت سيطرة "باسيل"، ذلك الهاوي الذي لم يتخصص رسمياً في علم الآثار. يضمّ الفريق الجديد "ستيوارت بيغوت" (بن تشابلن) وزوجته، عالمة الآثار المبتدئة "بيغي" (ليلي جيمس). أما نسيب "إديث"، "روري" (جوني فلين بسحره المعتاد)، فهو يلتقط الصور في ذلك الموقع. لكن يخسر الفيلم جزءاً من زخمه خلال هذا القسم تحديداً لأن الأحداث تزيد التركيز على استياء "بيغي" من زواجها. يكون "ستيوارت" معجباً بأحد زملائه (إيمون فارين)، ويبدو "روري" شخصاً ودوداً ولطيفاً ويجعل "بيغي" تشعر بأحاسيس لم تعرفها خلال زواجها. تظهر هذه المشاكل العاطفية المعقدة بعد مرور أول ساعة من الفيلم، ما يعني أنها متأخرة جداً ويصعب أن تترك أثراً طويل الأمد لدى المشاهدين. يختفي "باسيل" بشكلٍ شبه كامل في هذا الجزء ويفتقد الفيلم إلى وجوده بكل وضوح.
لكن سرعان ما تندمج هذه التفاصيل كلها في الحبكة العامة. تبقى عملية الحفر العامل الأهم ويُعتبر تركيز المخرج على التفاصيل أساسياً، فهو يكشف طريقة الحفر ومخاطره وكيفية اكتشاف القطع الأثرية ثم استخراجها من التراب. تساعد طريقة تصوير هذه العملية الناس غير المتخصصين بعلم الآثار على فهم حقيقة ما يحصل أمامهم. يسهل أن نصدّق الخبرة التي يتمتع بها فاينز وتقدم "بيغي" أداءً صادقاً أيضاً. يتعلق عنصر أساسي آخر بمقاربة الحرب. تُحلّق طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني فوق الحقل بوتيرة متزايدة ويعرف الجميع أن المشروع سيتوقف عند إعلان الحرب. لذا يعمل المشاركون بسرعة استثنائية.
تمرّ لحظات انتصار ومشاهد عاطفية عند اكتشاف الآثار، لكن يبقى الجو العام هادئاً وسلساً. يلقي "فيليبس" خطاباً حماسياً عن معنى الاكتشاف ويُعتبر هذا الخطاب مهماً للتعبير عن موضوع الفيلم الأساسي: يفترض الكثيرون أن الأنغلوسكسونيين كانوا لصوصاً عنيفين وهمجيين، لكن تثبت هذه القطع الأثرية المبهرة أن عصرهم كان غنياً بالفنون والثقافة أيضاً. أحدث "اكتشاف ساتون هو" تغييراً في آراء الناس حول إرثهم المشترك وخَلَق لديهم شعوراً مختلفاً حول امتلاكهم ماضياً جماعياً. هذه المواضيع كلها حاضرة في فيلمThe Dig لكن لا يبالغ العمل في تضخيم معانيها. بل إننا سنشاهد "إديث" و"باسيل" وهما يتأملان حفرة في الأرض ويعجزان عن الكلام، فيدركان أنهما كانا محقَين وأن تلك الأرض فيها كنز يتجاوز كل ما حلما به.