لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية أو طاولات التفاوض النووي، بل امتدّت إلى ساحة جديدة لا تقلّ أهمية وتأثيرًا، هي الفضاء الرقمي. فبالتوازي مع أيّ تصعيد سياسي أو أمني، برزت وسائل التواصل الاجتماعي كإحدى أدوات الصراع، إذ باتت طهران تستخدمها لإدارة حرب معلوماتية تستهدف الرأي العام الغربي، ولا سيّما الأميركي.
ويُلاحظ في السنوات الأخيرة أن الخطاب الإيراني على المنصات الرقمية تغيّر بشكل واضح. فبدلا من البيانات الرسمية المطوّلة، أصبحت الرسائل أكثر اختصارًا، وأكثر قدرة على الانتشار، وباتت تعتمد لغة إنكليزية موجّهة مباشرة إلى الجمهور الغربي، مستخدمة السخرية والرسائل القابلة للتداول على نطاق واسع. كما أن تكرار المواقف نفسها على حسابات عدد من المسؤولين خلال فترات زمنية متقاربة يعكس وجود تنسيق إعلامي واضح، يهدف إلى توحيد الرواية الإيرانية وتعزيز انتشارها.
في الواقع، لا تبدو هذه الرسائل موجّهة إلى الداخل الإيراني بقدر ما تستهدف التأثير في النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة، خصوصًا في الملفات المرتبطة بإيران وبرنامجها النووي. فكلّما احتدم الجدل داخل واشنطن بشأن كيفية التعامل مع طهران، ازدادت قدرة الأخيرة على توسيع هامش المناورة السياسية، من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وفي هذا الإطار، يرى عالم النفس السياسي والمحاضر في الجامعة اللبنانية الأميركية، د. رمزي أبو إسماعيل، أن لجوء إيران إلى هذا النوع من المواجهة ليس خيارًا إعلاميًا فحسب، بل هو انعكاس مباشر لاختلال ميزان القوى بينها وبين الولايات المتحدة. ويقول: "لأن إيران أضعف من أميركا عسكريًا واقتصاديًا، فإنها تلجأ إلى ساحة أرخص وأكثر ذكاء، وهي الحرب النفسية والمعلوماتية. فبدلا من مواجهة واشنطن مباشرة، تحاول التسلّل إلى داخل المجتمع الأميركي نفسه، واستغلال انقساماته، وغضبه، وخوفه من الحرب، وصراعاته الحزبية".
ويضيف أبو إسماعيل أن الهدف ليس إقناع الأميركيين بتأييد إيران، بل زعزعة الثقة داخل المجتمع الأميركي نفسه. ويوضح: "الغاية ليست أن يحب الأميركيون إيران، بل أن يشكّك بعضهم في بعض، وفي حكومتهم، وفي قرارات قيادتهم. أي رفع كلفة اتخاذ أي قرار ضدّ إيران، وإظهار الرئيس دونالد ترامب وكأنه ضعيف أو مخدوع أو متناقض، بما يدفع الرأي العام إلى الضغط ضدّ الحرب أو ضدّ أي تصعيد".
ورغم أن هذه الحملات لا تغيّر قناعات الجمهور بصورة جذرية، إلا أنها قد تحقق أثرًا ملموسًا عندما تجد بيئة سياسية منقسمة أصلا. ويشرح أبو إسماعيل ذلك بالقول: "التدخل الخارجي لا يخترع الانقسام، بل يغذّيه. قوته ليست في إقناع الناس من الصفر، بل في جعل الغضب أعلى، والشكّ أوسع، والنقاش العام أكثر فوضى".
وباتت هذه الحرب المعلوماتية جزءًا أساسيًا من أدوات الصراع بين الدول، إذ لم تعد المعركة تُخاض فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضًا عبر التأثير في الإدراك العام، وصناعة الروايات، واستغلال الخوارزميات للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور.
وفي المحصلة، يبدو أن طهران لا تسعى إلى تحقيق انتصار داخل الولايات المتحدة بقدر ما تسعى إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار فيها. فكلّما ازداد الانقسام الداخلي، وارتفعت كلفة أي خيار سياسي أو عسكري تجاه إيران، ازدادت قدرة طهران على المناورة. وفي عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية ساحة مواجهة موازية للسياسة والدبلوماسية، قد يكون التأثير في الرأي العام سلاحًا لا يقلّ فعالية عن الصواريخ والبارود.