جاء في إعلان الاستقلال الأميركي عام 1776: "نحن نعدّ هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع الناس خُلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقًا معيّنة غير قابلة للتصرّف، وأن من بينها الحياة والحرّية والسعي إلى السعادة". يختصر هذا المقطع نضال أبطال الحرب الثورية الأميركية وتضحياتهم، ويُجسّد الأفكار التي قاتلوا وقُتلوا في سبيلها. قبل أسابيع من اندلاع حرب الاستقلال، لخّص السياسي والخطيب الأميركي باتريك هنري حال الوجدان الجماعي المشحون ضدّ جنود المعاطف الحمراء، حين قال، خلال خطاب ألقاه أمام مؤتمر فرجينيا الثاني عام 1775: "أعطني الحرّية أو أعطني الموت!". انتزعت هذه النزعة التحرّرية الانتصار في يوركتاون عام 1781. وقتذاك، احتفل الماركيز دي لافاييت بالنصر، كاتبًا كلماته الشهيرة: "لقد انتصرت الإنسانية في معركتها؛ أصبح للحرّية بلد".
انتصر رجال قائد الجيش القارّي آنذاك، جورج واشنطن، على رجال الملك جورج الثالث. كانت "حرب الجورجَيْن" محسومة النتيجة، فقد سبق للوطنيين أن اتخذوا خيارهم: لا مكان للمَلكية أو لأي حكم مستبدّ في "العالم الجديد". تبلور هذا الفكر الحرّ بشكل جليّ في العبارة الافتتاحية لديباجة الدستور الأميركي، الذي وُقّع عام 1787: "نحن شعب الولايات المتحدة". تحتفل أميركا بالذكرى الـ 250 لاستقلالها غدًا السبت. للرابع من تموز جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وروايات محفورة في ذاكرة أمّة وُلدت قيصريًّا من رحم الحرّية والكفاح المسلّح. ومن أبرز تجلّيات ذلك التعديلان الأوّل والثاني للدستور، المتعلّقان بالحرّيات الأساسية للمواطنين وبحقّ اقتناء الأسلحة. إنها "الشخصية الجماعية" التي كوّنت أعظم دولة على وجه الأرض.
250 سنةً معمّدةً بالدماء والدموع، كما بالعِبر والدروس. 250 عامًا من الإنجازات الزراعية والصناعية والعلمية والتكنولوجية... 250 عامًا من الإبداع الاقتصادي والثقافي والفنّي والرياضي... 250 عامًا من الفشل الذي يؤدّي دورًا جوهريًّا في بلوغ النجاح المنشود. 250 عامًا من الهجرة نحو "أرض الأحرار وموطن الشجعان" لنيل "الحلم الأميركي". ما الشواهد على مكانة أميركا الحقيقية عالميًّا؟ بكلّ بساطة: عندما ترى كيف يرفض حتى الجاحدون مغادرتها، وكيف يستقتل حتى الحاقدون من أجل الانتقال إلى العيش فيها. لطالما واجهت أميركا تحدّيات داخلية وخارجية، معتادة ومصيرية، وتخطّتها وخرجت منها أقوى من أي وقت مضى.
الحرّية ليست هبة مجانية ولا جائزة ترضية. الحرّية تُنتزع بمقاومة الظلم بكلّ صُوَره وإلحاق الهزيمة به. الحرّية تُصان برصد أعدائها ودرء خطرهم، وبالتزام الحقّ والعدالة واعتماد التفكير النقدي. الحرّية عدوّة الأيديولوجيّات المعلّبة، وأصنام العبودية، وعُقَد الذنب والمظلومية. الحرّية هي أن يحيا الإنسان كما يريد، بكامل إرادته، بهدف تحقيق الذات والترقّي الاجتماعي. على صخرة الحرّية تأسّست أميركا وازدهرت وكبرت، لتتصدّر المشهد الدولي. ما زالت الولايات المتحدة تُمثّل النموذج الأكثر واقعية وفاعلية الذي يوفّر فرصة الوصول إلى أعلى القمم. ويبقى الرهان مستقبلًا على أن يتحلّى جميع الأميركيين، على اختلاف مشاربهم، بروح المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقهم في الحفاظ على "الوديعة" التي تركها لهم الآباء المؤسّسون، والعمل على تحصينها وتنميتها.