شادي معلوف

الولايات المتحدة ولبنان: 250 عامًا من التبادل الثقافي

6 دقائق للقراءة

بينما تُحيي الولايات المتحدة الأميركية الذكرى الـ250 لإعلان استقلالها عن بريطانيا في الرابع من تموز 1776، تتواصل في واشنطن سلسلة احتفالات ثقافية وتاريخية واسعة، أبرزها في "المتنزه الوطني" (National Mall)، حيث تُقام معارض وفعاليات توثّق مسيرة البلاد خلال قرنَين ونصف قرن، وتسلّط الضوء على هويتها وثقافتها وتاريخها أمام الأجيال الجديدة.

لكنّ الهوية والثقافة الأميركيّتَين لم تبقيا داخل الحدود الجغرافية للولايات المتحدة، بل امتد تأثيرهما إلى دول عديدة حول العالم، بينها لبنان الذي شكّل أحد أبرز ساحات التفاعل مع هذا الحضور الثقافي. فعندما يُذكر "النموذج الأميركي" في لبنان، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن الدور السياسي والتقدم العلمي والتكنولوجي، غير أن التأثير الأميركي تجاوز ذلك ليشمل الثقافة والفنون والتعليم والإعلام وأنماط الحياة، في علاقة ممتدة على نحو قرنَين.


حضور منظّم

بدأ الحضور الأميركي التبشيري في المشرق في عشرينات القرن التاسع عشر، وتبلورت بعثته في بيروت منذ عام 1823، حيث ركّزت على التعليم والطباعة والترجمة إلى جانب النشاط التبشيري. ومع الوقت، لم يقتصر دور هذه البعثات على إنشاء مؤسسات تعليمية، بل ساهمت في ترسيخ ثقافة البحث العلمي وتعزيز حرية الفكر وإحياء اللغة العربية عبر الترجمة والطباعة والنشر، وأسهمت في النهضة الفكرية العربية من خلال إصدار مؤلَّفات ومجلات علمية وثقافية، والمشاركة في ترجمة الكتب، وفي مقدمتها تعريب "الكتاب المقدس". كما شكّلت مكتبات تلك المؤسسات ومسارحها فضاءات للنشاط الثقافي، ليصبح التعليم أول جسر ثقافي بين لبنان والولايات المتحدة، في مرحلة شهدت أيضًا تفاعلا مع روّاد النهضة من أدباء وشعراء ومفكّرين مثل بطرس البستاني وناصيف اليازجي.

في جانب آخر، ومع تطوّر السينما الأميركية في القرن العشرين، دخلت هوليوود إلى المشهد اللبناني عبر دُور السينما التي عرضت أبرز الإنتاجات الأميركية، لتتحوّل أفلام مثل "Gone with the Wind" و "The Sound of Music" و "The Godfather" و "Forrest Gump" و "Titanic" إلى محطات جماهيرية لافتة ارتبطت بذاكرة أجيال من المشاهدين اللبنانيين. ولم يقتصر أثرها على الترفيه، بل امتد إلى تشكيل ذائقة بصرية جديدة وتعريف الجمهور اللبناني إلى مدارس مختلفة في الإخراج والتمثيل والسرد، إضافة إلى انعكاس غير مباشر على أنماط الملبس والموسيقى وأسلوب الحياة.

وعلى الصعيد التقني، ساهم تطوّر تقنيات التصوير والإخراج والمونتاج والصوت في الولايات المتحدة في رفع معايير الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في لبنان تدريجيًا، بما توافر من إمكانات، ما انعكس على ذائقة الجمهور ورفع سقف توقعاته من الأعمال المحليّة، في وقت برزت فيه تأثيرات واضحة لرموز سينمائية شكّلت أعمالهم جزءًا من الوعي السينمائي العالمي.

أما الموسيقى الأميركية، التي أسهمت في نشوء وانتشار أنماط عالمية مثل الجاز والبلوز والروك والهيب هوب والبوب، فلم تعد مجرّد موسيقى أجنبية يُستمع إليها، بل أصبحت جزءًا من المشهد الموسيقي اللبناني. فقد مزج فنانون لبنانيون هذه الأنماط بالموسيقى الشرقية، فيما أسهم انتشار أعمال رموز مثل لويس أرمسترونغ وإلفيس بريسلي ومايكل جاكسون ومادونا وسواهم عبر الإذاعات والتلفزيون ثم المنصّات الرقمية، في ترسيخ حضورها لدى أجيال متعاقبة. كما عززت مهرجانات لبنانية استضافت كبار موسيقيي الولايات المتحدة هذا التفاعل الثقافي.


أيقونات ثقافية

ولم يقتصر الحضور الثقافي الأميركي على التعليم والسينما والموسيقى، بل امتد إلى الأدب والمسرح والتلفزيون واللغة اليومية. فقد اطّلع كتّاب ومسرحيون لبنانيون على مدارس أدبية أميركية، واستلهم بعضهم منها تقنيات السرد وبناء الشخصيات والحوار، متأثرين بأعمال أدبية وفنية تحوّلت إلى "أيقونات ثقافية". كما دخلت مفردات إنكليزية كثيرة إلى الاستخدام اليومي، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والأعمال والإعلان، حتى أصبح المزج بين العربية والإنكليزية سمة مألوفة. كذلك تأثرت صناعة الإعلان بدورها بالمدرسة الأميركية في التسويق والاتصال، سواء عبر السرد البصري أو بناء الهوية التجارية أو الحملات المتعددة الوسائط، وهو تأثير تعزز مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي.

من ناحية أخرى، ومع انطلاق التلفزيون في لبنان عام 1959، تعرّف الجمهور إلى عدد كبير من البرامج والأفلام والمسلسلات الأميركية التي أصبحت جزءًا من ذاكرته الجماعية، مثل "Bonanza" و "I Love Lucy" و "Dallas"، و "Dynasty" و "The A-Team" و "Knight Rider" و "Friends" و "Baywatch" و "ER". كما دخلت شخصيات الرسوم المتحركة الأميركية إلى عالم الأطفال، من بينها شخصيات "Looney Tunes" و "Mickey Mouse" و "Tom and Jerry"، قبل أن يتوسع هذا الحضور مع القنوات الفضائية والمنصات الرقمية التي جعلت هذه الأعمال وسواها في متناول الجميع.


بصمات متبادلة

لكن التأثير الثقافي الأميركي في لبنان لم يكن أحادي الاتجاه. فمنذ بدايات الهجرة اللبنانية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، تطوّرت العلاقة إلى عملية تبادل ثقافي متواصل. فقد ترك أدباء ومفكرون لبنانيون أو منحدرون من أصول لبنانية بصمات بارزة في المشهد الثقافي الأميركي، من أبرزهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني، فيما استمر حضور الجالية اللبنانية في الإسهام في الفنون والثقافة هناك، وبرزت شخصيات معاصرة من أصول لبنانية في السينما والموسيقى، ما يعكس استمرار هذا الامتداد الثقافي المتبادل.

ولا يزال إرث "الرابطة القلمية"، التي تبلورت في نيويورك مطلع القرن العشرين وأُعيد تنظيمها عام 1920 على يد عدد من أدباء المهجر، حاضرًا في الذاكرة الثقافية الأميركية، وقد تُوّج ذلك بتدشين نصب "القلم" تكريمًا لإرث هؤلاء، وبينهم لبنانيون، بما يعكس استمرار التقدير للإسهام الأدبي اللبناني ضمن الحضور العربي المهجري في الولايات المتحدة.

هكذا إذًا، وبعد 250 عامًا على إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية، تبدو العلاقة الثقافية بينها وبين لبنان نموذجًا للتفاعل المتبادل. فقد استوعب اللبنانيون عناصر من الثقافة الأميركية وتبنّوها أو أعادوا إنتاجها بما ينسجم مع بيئتهم، مضيفين إليها بصمتهم الخاصة، واستعان الأميركيون بما وصلهم من عناصر ثقافتنا اللبنانية، لتبقى الثقافة والفنون والتعليم من أبرز جسور العلاقة بين البلدين وأكثرها حيوية واستمرارية.