تـُشيِّع سلطة الوليّ الفقيه مرشدها علي خامنئي، لتنفتح مع هذا التشييع أبواب الحساب لدى الشعوب المقهورة التي ذاقت الويلات بأوامره المباشرة وسياساته الدموية، ونحن في لبنان، لا بدّ لنا من "جردة حساب" مع مرشد الثورة الإيرانية.
يمكن التأكيد أنّ اشتعال الفتن المذهبية المعاصرة يعود إلى "انتصار" الثورة الخمينية في إيران، فقبل العام 1979 كان العالم الإسلامي يعيش سكوناً وحياة شبه طبيعية بين السنة والشيعة، وكانت حالة الاندماج الاجتماعي واسعة النطاق من الزواج إلى التجارة والثقافة وحتى السياسة، إلى أن أطّل "روح الله مصطفوي موسوي الخميني" وسيطر على السلطة في إيران باسم "الثورة الإسلامية" فأباد كل معارضيه وحكم بالحديد والنار، وأطلق مشروع تصدير الثورة نحو بلاد العرب والمسلمين، واعتبر الشيعة العرب جاليات تابعة لجمهوريته، فأشاع الخراب ونشر الفتن واجتاح أربع دول عربية بميليشاته وهدّد أمن البقية من العرب..
بعد موت الخميني تولى علي خامنئي منصب المرشد في الثورة الإيرانية التي جعلت من التشيع سلماً لبسط النفوذ الفارسي، فأكمل الطريق ووسّع نطاق المشروع الإيراني، وأطلق "عمّاله" يضربون في أعماق العرب، فجاء قاسم سليماني ليحوِّل العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى مناطق نفوذ استعماري مفتوحة، وترسّخت الروح المذهبية العقائدية، حتى خرج الرئيس الإيراني الأسبق أحمد نجاد على منبر الأمم المتحدة يهدّد العالم بظهور المهدي وانتصار إيران.
في عهد علي خامنئي ترسّخ التطرف الفارسي في أقصى دمويته، فإسالة الدماء وإزهاق الأرواح شرطٌ لتعجيل ظهور المهدي.. وهكذا تحوّلت شرائح واسعة من الشيعة إلى مجموعات قتلٍ منفلتة شاهد العالم جرائمها التي وصلت إلى حدود الإبادة بحقّ السنة ومن معهم من الطوائف الأخرى التي عارضت الاستعمار الإيراني.
في عهد خامئني انتصب الهلال الإيراني من طهران إلى بيروت ومن بغداد إلى صنعاء.. وأصبح شعار "تحرير" مكة والمدينة هو الحافز للأجلاف المعبّأة بالحقد هو المحرِّك لاستهداف أمن الخليج.
في لبنان، رعى خامنئي تحطيم الدولة بسلاح حزبه، فكان اغتيال رفيق الحريري ومن تلاه من قافلة شهداء الاستقلال الثاني، ثمّ دفع بالفتنة الداخلية بالانقلاب على الدولة في 7 أيار عام 2008 وسنّ السُّنّة البغيضة باستعمال السلاح لفرض التغيير السياسي، وتلا ذلك تخريب الدستور بالثلث المعطل والوزير الملك، ثمّ بفرض سلاح الحزب الإيراني على البيانات الوزارية في محاولة لأخذ شرعية مستحيلة..
لقد حوّل علي خامنئي بيئة "حزب الله" إلى بيئة إيرانية معزولة عن الواقع اللبناني، فتحوّل المجتمع الحزبي إلى نسخة سيئة عن المجتمع الإيراني، فازداد الانعزال وارتفعت نسبة التطرف حتى بتنا نرى وزراء لا يختلفون في ممارساتهم المذهبية وفسادهم عن أي مجموعة فاسدة تلتهم الدولة وتسرقها وتنهبها باسم المقاومة..
حوّل علي خامنئي جنوب لبنان إلى جبهة استنزاف دائمة للدولة والشعب اللبنانيين، فكانت حرب العام 2006 أول محطات التدمير المستجلب للبلد بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وبقاء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا كمسمار جحا لمواصلة الابتزاز للداخل والخارج باسم مقاومة الاحتلال. وهكذا وصلنا إلى حرب إسناد غزة ثم حرب إسناد إيران وما رافقها من عودة الاحتلال وسقوط الآلاف بين قتيل وجريح.. فضلاً عن التدمير الذي سيحتاج عقوداً لإعادة الإعمار.
أنشأ خامنئي حلف الأقليات وحوّله إلى حالة عسكرية تحت عنوان "وحدة الساحات" هدّدت الأمن العربي والإقليمي، وأدّت بالتداعي والتراكمات إلى "طوفان الأقصى" وما تلاه من تحوّلات كبرى، كان من نتائجها انكسار الهلال الفارسي في سوريا وتحطيم "حزب الله" في لبنان وتهشيم أنصار إيران في اليمن، وانسحاق غزة بالتدمير الشامل، رغم أنّه يُسجَّل لمقاتلي حماس أنّهم لولا الخسائر المدنية الهائلة لواصلوا قتالهم مع الجيش الإسرائيلي واستنزافه، بعكس "حزب الله" الذي انهار تحت ضربات "البيجر" وسقوط قياداته من الأعلى إلى الأسفل، ولولا مسارعة الحرس الثوري لترميمه لكن في خبر كان.
لا يمكن لأغلب اللبنانيين أن يذكروا علي خامنئي إلاّ باستذكار جرائمه بحقّ بلدهم وبحقّهم كشعب عانى من سياساته المرارات والمخاطر والمآسي، وهو إذ تشيعه ما تبقى من القيادة الإيرانية، فإنّ كلّ من عانى من سطوة قاسم سليماني وجلاوزته في العالم العربي، وخاصة في لبنان، سيدعون الله أن يحاسبه فوق ما يستحقّ ثأراً لكلّ الدماء البريئة التي أراقها من لبنان إلى سوريا فالعراق واليمن والبحرين والسعودية والكويت.. وفي كلّ أرضٍ وطئها الإرهاب الإيراني.
ليس لنا كضحايا الإرهاب الإيراني إلاّ أن ننادي بالوعي بحقيقة هذا المشروع الإيراني التخريبي القائم على إزاحة الآخرين، بل وإزالتهم وإبادتهم.. وأفضل ما يفعله اللبنانيون هو مواصلة نضالهم لتحرير بلدهم من الاحتلال الإيراني المباشر من خلال قوات الحرس الثوري، ومن خلال تفكيك سلاح حزب يحمل أعضاؤه الهوية اللبنانية ويأتمرون بالأوامر الفارسية، كشرطٍ أساس لتحرّرهم من الاحتلال الإسرائيلي.
الحساب مع علي خامنئي ثقيل لا تكفيه العدالة البشرية، فلا يحيط بكلّ هذا الإجرام إلاّ العدالة الإلهية التي سيكون لها مع خامنئي حساب آخر..