رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون فصل مسار لبنان عن مسار إيران، واستعاد زمام التفاوض باسم الدولة اللبنانية، بعدما حاول بعضهم، ومنهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، القفز فوق عون والتفاهم المباشر مع الأميركيين، على قاعدة: "أنا قادر إحكي مع الحزب".
إلا أن عون يخوض الدبلوماسية مع اللبنانيين، لا الحرب، وهو يتفاوض باسم الدولة اللبنانية على قاعدة: "ما حدا بفاوض عنا"، في إشارة إلى إيران وأذرعها في لبنان.
وفي هذا الإطار، لفتت مواقف متقدمة لرئيس الجمهورية أعلنها أمام وفود زارت بعبدا تضامنًا مع رئيس البلاد. وفي هذا الإطار، قال عون أمام وفد "الرهبانية اللبنانية المارونية" الجمعة إن المشكلة تكمن لدى بعضهم في القرار السيادي الذي اتخذناه، والقاضي بفصل مسار لبنان عن مسار إيران ليكون مسارنا مستقلا، لكن، للأسف، بعضهم اعتاد أن يكون تحت الوصاية التي تتحكّم بنا وتقرّر عنا وتفاوض علينا. لكن، لا! لقد انتهينا من هذا الأمر!
بهذا الحسم يتحدث عون ويخبر زوار القصر الجمهوري أنه مصرّ على صلاحياته الدستورية، وهو ماض بالتفاوض حتى الرمق الأخير، "واللي عنده طرح آخر يتفضل يقدمو!". ويضيف عون: "شو المطلوب أعمل؟ شو بدو "حزب الله" يعني؟ ما بدو التفاوض؟ يعني بدهن ياني إقعد بالقصر الجمهوري إتفرج؟ إيه لا، ما رح إقعد إتفرج ع شعبي عم بيموت". وأضاف عون: "شو بدكن يعني؟ عم تقتلوا حالكن، عم تروّحوا أجيالكن، وأنا ما رح إتفرج، ضميري ما بيسمحلي، أنا مؤتمن على هالبلد، ولذلك اتخذت خيار التفاوض والدبلوماسية لا الحرب التي دفعنا ثمنها غاليًا جدًا ولا نزال".
كذلك علمت "نداء الوطن" أن عون تحدث أمام زواره بكل صراحة، وقالها بالفم الملآن: "ولا مرّة إلا ما كان "حزب الله" عم يعمل حرب، ولا مرّة السلام عنده كان أغلى من الحرب، هني عم يخرّبوا لبنان ونحنا عم نصلّح".
وفي ما يشبه الرد على "حزب الله" الذي يخوّنه، وعلى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي وصف اتفاق الإطار بالفتنة، قال عون لزواره: "اتخذنا خطوة لتخفيف الخسائر، فاتهمنا بعضهم بأننا خونة، وزعم بعضهم الآخر أن هذه الصيغة مشروع فتنة، وأنا أقول له: من حقك الطبيعي أن تعارض الصيغة، لكن لا تتهمها بأنها مشروع فتنة، فأنا لا أمشي مع أحد إلى الهاوية ولا إلى خراب لبنان، أنا أحاول أن أنقذك وأساعدك، وما أقوم به هو لأجل بيئتك التي تدفع الثمن الأغلى منذ العام 1969 في الجنوب".
وكشف عون أن أكثرية اللبنانيين معه، واصفًا الفريق الرافض إطار العمل المشترك الموقَّع في واشنطن بالأقلية، فقال: "من موقعي، وإلى جانبي أكثرية اللبنانيين، لا يمكننا أن نقف متفرجين على كل أهوال الحرب، فيما فئة صغيرة لا تريد ذلك، وباعتقادها أنها يمكنها أن تنهي الحرب في الميدان".
وعلمت "نداء الوطن" أن عون قال لزواره إنه لن يفرّط بهذه الفرصة الذهبية السانحة أمام لبنان: "فلأول مرة، لبنان عم ينحطّ على طاولة الاهتمام الأميركي، وقد اتصل بي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين، وأنا على تواصل شبه يومي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهي المرة الأولى التي يلقى فيها لبنان دعمًا دوليًا وأوروبيًا وعربيًا، ويجب ألا نفوّت على أنفسنا هذه الفرصة، وأنا شخصيًا لست مستعدًا للتفريط بها".
عون، الذي بدا بطريقة غير مباشرة متفهمًا لموقف بري المحرج تجاه بيئته وجمهوره، "لم يشأ أن يقسو عليه"، كما قال زائر من زوار بعبدا لـ"نداء الوطن"، فهو يرى أن بري، بمجرد رفضه تحركات الشارع ورفضه خروج وزيريه من الحكومة، يمارس "قبّة باط" لصيغة إطار واشنطن. فموقفه الرافض للإطار من جهة، لكن الرافض أيضًا إسقاط الحكومة والفوضى، يعني أنه يسير في الوسط، "إجر بالفلاحة وإجر بالبور"، كما تقول مصادر مطلعة على مسار التفاوض لـ"نداء الوطن".
ولا يبدو عون متأثرًا بحملات التخوين التي تساق بحقه، فهو يقلّل من شأنها أمام زواره، ويؤكد أن لا شيء يدعو إلى الرد عليها بالمستوى الكلامي نفسه. ويبدو مرتاحًا إلى المسار الذي تسلكه المفاوضات، لأنه يريد أن "يعيش لبنان وإسرائيل بسلام، كل واحد ببلده"، كما قال لأحد زواره.
كذلك علمت "نداء الوطن" أن عون أبلغ زواره في بعبدا أن مسألة نزع سلاح "حزب الله" محسومة، فالحكومة اتخذت القرار، والسلاح سيكون في كنف الدولة، ولن يكون في الدولة اللبنانية سوى جيش واحد وسلاح واحد.
رئيس الجمهورية، الذي يتمسك بخيار التفاوض وبصيغة إطار واشنطن، ويعترف بأنها ليست الأفضل لكنها أفضل الممكن، يؤكد أن توازن القوى واضح، فأرض لبنان هي المحتلة لا أرض إسرائيل، وإسرائيل هي القادرة على القتل والتهديم والتهجير والاحتلال لا لبنان. وانطلاقًا من ذلك، اتخذ خيار التفاوض المباشر.
أما من يطالب بالتفاوض غير المباشر، وعلى رأسهم بري، فيسأله عون باستغراب: "ليش اتفاق الهدنة عام 1949 ما كان تفاوض مباشر؟ وليش اتفاق الترسيم البحري ما كان تفاوض مباشر؟ شو يعني تفاوض غير مباشر؟ يعني في شخص قاعد بيناتن"؟
رئيس الجمهورية دافع عن إطار العمل المشترك، وردًا على منتقدي البند 13، يقول إن البند لا يعني تنازل لبنان عن حقه في مقاضاة إسرائيل أمام المراجع الدولية المختصة، بل إن ما ورد فيه يؤكد تعليق الدعاوى بين البلدين خلال فترة المفاوضات فقط، وهذا إجراء طبيعي يحصل خلال المفاوضات بين أي بلدين.
أما بشأن ما يقال عن موافقة لبنان على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فأكد عون أن البند المعني بذلك في الصيغة يشير إلى أن لبنان وإسرائيل لديهما الحق في الدفاع عن نفسيهما، ويسأل: "لماذا يتم التركيز على الحق الإسرائيلي من دون الحق اللبناني"؟
كذلك يضيف عون أنه ليس صحيحًا أن الصيغة تشرّع بقاء الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، كما يشاع، بل إن البند المعني بذلك يشير إلى تمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية، "فهل يعقل أن يبسط الجيش سلطته على كامل الأرض بوجود الاحتلال الإسرائيلي"؟
أما عن غياب جدول زمني لتحقيق صيغة الإطار، فيؤكد عون أن مردّ ذلك يعود إلى أن ما تم التوقيع عليه هو صيغة إطار وليس اتفاقًا، والإطار يتطرق إلى مبادئ عامة ولا يورد التفاصيل التطبيقية، وهذا أيضًا ما حصل في مذكرة التفاهم "الإيرانية - الأميركية".
على أي حال، الرئيس مكمّل، "ويلّي مش عاجبو يقدّم خيارًا بديلا، وأنا عم بعمل ضميري"، كما يقول. وينقل أحد زوار القصر الجمهوري انطباعًا بعد لقائه عون، فيقول: "إلنا زمان ما سمعنا رئيس جمهورية بيحكي هيك، إنه حقًا رجل دولة في زمن قلّت فيه الرجالات".