د. جوسلين البستاني

أميركا في عامها الـ 250: امتحان الفكرة في عالم متغيّر

5 دقائق للقراءة

بعد مرور 250 عامًا على إعلان استقلال الولايات المتحدة، لا تبدو المناسبة مجرّد احتفال بتاريخ دولة أصبحت القوّة الأعظم في العالم، بقدر ما تمثل فرصة لإعادة طرح سؤال أعمق: ما الذي جعل "الفكرة الأميركية" تصمد طوال هذا الزمن، وهل ما زالت تمتلك القدرة نفسها على إنتاج الفاعلية في عالم تغيّرت قواعده؟

لم تكن الولايات المتحدة أوّل مَن تحدّث عن الحرّية أو سيادة القانون أو الحكم الدستوري، لكن تميّزها التاريخي تمثل في قدرتها على تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسات مستقرّة وقابلة للتطوّر. وهذا ما يفسّر جانبًا مهمًّا من استثنائية التجربة الأميركية، التي استندت قوّتها إلى منظومة مؤسساتية متكاملة، لا إلى التفوّق العسكري وحده، بل أيضًا إلى الاقتصاد الحرّ، والجامعات، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، واستقلال القضاء، وحرّية تداول الأفكار.

ومن تفاعل هذه العناصر، نشأت بيئة قادرة على استقطاب العقول ورأس المال البشري من مختلف أنحاء العالم، وظلّت جاذبة حتى في المراحل التي أثارت فيها السياسات الخارجية الأميركية انتقادات واسعة. ويكشف النمط العام للهجرة العالمية اتجاهًا شبه أحادي نحو الولايات المتحدة، التي لا تزال وجهة رئيسية للمهاجرين. لا تُقدّم هذه الظاهرة كتفوّق قيمي، بل كمؤشر بنيوي على قدرة الولايات المتحدة على جذب الطاقات البشرية ضمن نظام دولي غير متكافئ في حركة الانتقال بين الدول.

ومع ذلك، لم تكن التجربة الأميركية خالية من التناقضات. فقد نشأت الجمهورية على مبادئ المساواة، بينما استمرّت العبودية لعقود، كما احتاجت الحقوق المدنية إلى نضال طويل حتى اقتربت الممارسة من النصوص الدستورية. لكن اللافت أن هذه التناقضات لم تؤدّ إلى انهيار النظام، بل دفعت مؤسساته إلى مراجعة نفسها وإصلاح اختلالاتها. بناءً على ذلك، تبقى الولايات المتحدة، بعد قرنين ونصف، واحدة من أكثر التجارب السياسية تأثيرًا في التاريخ الحديث، ليس لأنها تخلّصت من تناقضاتها، بل لأنها استطاعت إدارتها ضمن مؤسسات حافظت على قدرتها على التكيّف والتجدّد.

غير أن نجاح هذا النموذج في الداخل الأميركي يطرح سؤالا مختلفًا عندما تسعى الولايات المتحدة إلى ترجمة مبادئها وأدواتها في بيئة دولية أكثر تعقيدًا. فنجاح المؤسسات في الداخل لا يعني بالضرورة أن تكون الآليات نفسها قادرة على تحقيق النتائج ذاتها في الخارج. ويُعدّ الشرق الأوسط أحد أبرز ميادين اختبار هذه الفرضية، إذ لا تُقاس فاعلية القوّة الأميركية بحجمها بقدر ما تُقاس بقدرتها على تحويلها إلى نتائج سياسية مستدامة. وفي هذا السياق، تمثل العلاقة مع إيران مثالا واضحًا على أن امتلاك أدوات القوّة، مهما بلغ حجمها، لا يكفي وحده لإعادة تشكيل بيئات إقليمية تتشابك فيها الحسابات الجيوسياسية مع الديناميات المحلية.

بالفعل، مثلت سياسة واشنطن تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد أبرز اختبارات فاعلية القوّة الأميركية. فمنذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، تنوّعت الأدوات التي اعتمدتها إدارته، بدءًا من سياسة "الضغط الأقصى" والعقوبات الاقتصادية، وصولا إلى الضربات العسكرية المباشرة التي استهدفت منشآت نووية ومواقع استراتيجية إيرانية، الأمر الذي فرض كلفة مرتفعة على سلوك طهران في أكثر من ساحة. غير أن الإشكالية لا تكمن في حجم الضغط ذاته، بل في حدود قدرته على إحداث تغيير عندما يواجه خصمًا يمتلك قدرة عالية على التكيّف والمناورة.

بالتالي، لم يعد النقاش يتعلّق بطبيعة أدوات الضغط أو شدّتها، بقدر ما يتعلّق بمدى قدرتها على إنتاج تغيير استراتيجي مستدام في السلوك الإقليمي لإيران. ولا تقتصر هذه الإشكالية على الحالة الإيرانية، بل تعكس نمطًا أوسع في السياسة الدولية. وإذا كشفت العلاقة مع إيران حدود القدرة على تعديل سلوك لاعب إقليمي عبر أدوات الضغط الخارجية، فإن الحالة اللبنانية تطرح اختبارًا مختلفًا لهذه الحدود.

في لبنان، تواجه الولايات المتحدة نظامًا سياسيًا هشًا، تحكمه توازنات داخلية وإقليمية معقّدة. لذلك، يندرج الحضور الأميركي ضمن نمط يقوم على النفوذ والدعم المؤسسي أكثر منه على الإكراه المباشر، انسجامًا مع طبيعة النظام السياسي اللبناني. لذلك، تتحرّك أدوات واشنطن في إطار مختلف، يقوم على دعم الجيش، وتقديم المساعدات الاقتصادية، وتعزيز المؤسسات، والاضطلاع بأدوار الوساطة السياسية. غير أن التحدّي لا يكمن في فاعلية هذه الأدوات بقدر ما يكمن في قابلية البيئة السياسية لاستيعابها وتحويلها إلى نتائج مستدامة. فالنفوذ الأميركي ليس في مواجهة خصم مباشر، بل يعمل داخل فراغات بنيوية وانقسامات سياسية تحدّ من قدرته على إحداث تحوّل مؤسسي.

بهذا المعنى، لا تمثل إيران ولبنان حالتين منفصلتين، بل اختبارين لإشكالية واحدة من زاويتين مختلفتين. ففي إيران، تُختبر حدود القوّة الأميركية عندما تواجه لاعبًا إقليميًا يمتلك قدرة عالية على التكيّف والمناورة، بينما تُختبر في لبنان حدود النفوذ عندما يُمارس داخل نظام سياسي مجزّأ، يعجز عن استيعاب الدعم الخارجي. وفي الحالتين، لا تكمن المعضلة في نقص الأدوات، بل في طبيعة البيئة التي تُوظّف فيها.

بعد مرور 250 عامًا، لم يعد التحدّي الذي يواجه الولايات المتحدة يتعلّق بموقعها في النظام الدولي بقدر ما يتعلّق بقدرة الفكرة التي قامت عليها هذه القوّة على التكيّف مع بيئات تختلف جذريًا عن بيئتها الأصلية. والاختبار الحقيقي اليوم لم يعد في الداخل، بل في الخارج: هل تستطيع الولايات المتحدة تحويل القوّة والنفوذ، معًا، إلى استقرار سياسي مستدام في عالم لا يستجيب لمنطق واحد، ولا يُدار بأداة واحدة؟ تشير التجربة، من إيران إلى لبنان، إلى أن حدود الفاعلية لا ترسمها الأدوات بقدر ما ترسمها طبيعة البيئات التي توظّف فيها، بما تنطوي عليه من توازنات محلية وإقليمية لا يمكن اختزالها بمنطق القوّة وحده أو النفوذ وحده.