يحد اتفاق الإطار، الذي وقّعه كل من لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، من احتكار "حزب الله" قرار الحرب والسلم، وربط الجبهة اللبنانيّة بحسابات طهران الإقليميّة، مقابل إنقاذ لبنان من العدوان الإسرائيلي بما تيسَّر من إمكانات. وبالتالي، هو اتفاق الضرورة وفق معادلة: ما دفعك إلى المرِّ؟ ليأتي الجواب: الأمرُّ منه.
أما عدا ذلك من الخطايا الملصقة به، وفق اجتهاد الممانعة بأدواتها وأبواقها وملوك الفساد المرتبطين بها، فهو وليد غايات لا علاقة لها إلا بمصالح المعترضين المغرضة.
فالاتفاق الملعون والمهدد للسلم الأهلي والمرفوض وكأنه لم يكن، سواء عبر اعتماد أساليب لغوية لإلغاء أي دور أو وجود للدولة اللبنانية، أم تغليبًا لمصلحة إيران وتمكينًا لها من مواصلة فرض نفوذها وسيطرتها على لبنان، هو في واقع الحال استكمال لاتفاق 26 تشرين الثاني 2024، الذي تم تهريبه على أيدي الممانعين إياهم، وببنود أقل ما يقال فيها إنها استسلام كامل للحزب المهزوم منذ ذلك الحين، ومن لفّ لفّه، فقط مقابل إيقاف آلة القتل الإسرائيلية، بناء على أوامر إيرانية.
فما قَبِل به "الحزب"، بل واستجداه، وتولّى إخراج بنوده رئيس مجلس النواب نبيه بري، بقبول وإذعان من حكومة تصريف الأعمال حينذاك برئاسة نجيب ميقاتي، نصّ على عدم قيام "حزب الله"، أو أي حركة مسلحة أخرى في لبنان، بأي عمل هجومي ضد إسرائيل، مقابل توقف الدولة العبرية عن أي عمل هجومي ضد أهداف في لبنان. كما نصّ على تسليم السلاح، ليس فقط جنوب الليطاني وإنما على كامل الأرض اللبنانية. وأيضًا وقف تهريب السلاح والأموال والمقاتلين المرتزقة للحزب ومشغّله الإيراني.
ونصّ أيضًا على تفكيك كافة المنشآت غير المرخّصة التي تعمل في إنتاج الأسلحة وملحقاتها، وكذلك البنية التحتية والمواقع العسكرية، ومصادرة الأسلحة غير المرخّصة التي لا تتوافق مع هذه الالتزامات.
لكن تقاطع المصالح الإيرانية - الإسرائيلية قتل الاتفاق في مهده، فاستمر العدوان الإسرائيلي بوتيرة الاستهدافات المحدودة لعناصر "حزب الله"، ولم يحرّك "الحزب" صواريخه الفاقدة المفعول، حتى كان الثأر لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، لتفتح إسرائيل أبواب الجحيم وترتكب ما لا يمكن تخيّله من فظائع وجرائم، وتمسح قرى وبلدات ومدنًا في جنوب لبنان عن الخريطة، وتضاف هزائم أبشع إلى إنجازات "الحزب" المتمسك بانتصارات خنفشارية.
فلو أن نية "الحزب" صافية تجاه لبنان كيانًا وانتماء، لأمكن التفاعل والبحث في بنود اتفاق الإطار، وصولا إلى تفاهم مقبول ومعقول يحفظ للدولة سيادتها، وللحزب مكانته كفريق سياسي غير مسلح، موجود على خريطة الأحزاب اللبنانية، وليس كفيلق إيراني يسمّم الكيان اللبناني.
حينها فقط، تتمكن الدولة، بوحدة مكوّناتها السياسية والشعبية، من مقارعة عدو يستثمر في الشرخ المتسبّب به الفيلق الإيراني الساعي إلى تحقيق مصالح نظام الحرس الثوري، ليعيث فسادًا ويحقق نفوذًا على حساب شعبه المنكوب به وبشعوب المنطقة.