لم تعد بعلبك الهرمل تحتاج إلى من يمثّلها في السياسة بقدر ما تحتاج إلى من يمثّل مصالحها أمام الدولة والناس. فالمشكلة لم تعد في عدد النواب ولا في حجم الأحزاب، ولا في نتائج الانتخابات، بل في غياب مشروع جامع يحوّل الثقل الذي تتمتع به المحافظة إلى قوة إنمائية واقتصادية تفرض حضورها على طاولة القرار.
على مدى عقود، انشغل أبناء المحافظة، كما القوى السياسية فيها، بسؤال التمثيل: من يمثّل الناس؟ ومن يفوز في الانتخابات؟ ومن يملك الحضور الأكبر؟ وكان ذلك طبيعيًا في ظل ظروف سياسية وأمنية فرضت أولوياتها على البلاد والمنطقة. لكن التحولات التي شهدها لبنان، وما رافقها من انهيار اقتصادي وحرب، أعادت طرح سؤال مختلف: ماذا نريد لبعلبك الهرمل، وإلى أين نريد أن تتجه؟
لم يكن تراجع الدولة في بعلبك الهرمل مسؤولية طرف واحد، بل نتيجة مرحلة كاملة، تولّت خلالها الأحزاب، كل بحسب حضوره، أدوارًا تركتها الدولة شاغرة. ومع الوقت، اعتاد الناس هذا الواقع، حتى بدا وكأنه الصيغة الوحيدة الممكنة. لكن المرحلة الحالية أعادت الاعتبار لفكرة الدولة، وأصبح الجميع يتحدث عن ضرورة عودتها. وهذه ليست مفارقة بقدر ما هي إعلان بأن المرحلة السابقة، بكل ظروفها، لم تعد قادرة وحدها على الإجابة عن تحديات المرحلة الجديدة.
لكن عودة الدولة، على أهميتها، لا تكفي وحدها، فالدولة لا تتحرك بالشعارات بل بالمشاريع، والمشكلة أن بعلبك الهرمل، حتى اليوم، لا تزال تفتقد إلى مشروع جامع يتحدث باسمها. لكل حزب أولوياته، ولكل نائب أجندته، ولكل بلدة مطالبها، وهذا أمر طبيعي، غير أن غير الطبيعي هو أن تبقى المحافظة، بكل ما تملكه من مقومات، بلا رؤية مشتركة تدافع عنها جميع مكوناتها.
من يحمل اليوم مشروعًا متكاملا لتطوير الزراعة في المحافظة؟ ومن يقود معركة إنشاء منطقة صناعية تستفيد من الإنتاج الزراعي؟ ومن يطالب بخطة حقيقية لتطوير السياحة الأثرية والدينية؟ ومن يعمل على تحويل الموقع الحدودي، عندما تستقر الظروف، إلى فرصة اقتصادية بدل أن يبقى عنوانًا للأزمات؟ هذه الملفات لا تخص حزبًا دون آخر، ولا طائفة دون أخرى، بل تمثل مستقبل بعلبك الهرمل كلها.
ولعل المشكلة الأعمق أن بعلبك الهرمل تمتلك عشرات من يتحدثون باسم القوى الموجودة فيها، لكنها لا تزال تفتقد إلى من يتحدث باسمها هي. من يحمل قضيتها إلى مجلس الوزراء؟ من يدافع عن حصتها في الموازنات؟ من يحوّل مطالبها من ملفات موسمية إلى قضية وطنية دائمة؟ فالمحافظة لا تحتاج إلى من يرفع صوتها عند كل استحقاق انتخابي، بل إلى من يجعلها حاضرة في كل استحقاق إنمائي.
المفارقة أن الجدل السياسي في بعلبك الهرمل حُسم إلى حد كبير في مسألة الدولة، لكن الجدل لم يبدأ بعد حول مشروع الدولة. فالجميع يريدها، لكن أحدًا لم يقل بوضوح ماذا يريد منها للمحافظة. وهنا تكمن المشكلة، فالانتقال من مرحلة ملء الفراغ إلى مرحلة بناء المؤسسات لا يحتاج إلى توافق على الشعارات، بل إلى توافق على الأولويات. والتحول الحقيقي في بعلبك الهرمل ليس أن الأحزاب أصبحت تطالب بالدولة، بل أن الدولة أصبحت حاجة للأحزاب كما هي حاجة للناس.
ربما آن الأوان لأن تنتقل بعلبك الهرمل من مرحلة التنافس على تمثيل الناس إلى مرحلة التنافس على خدمة مصالحهم. وعندما يصبح السؤال: ما مشروعك للمحافظة؟ أهم من السؤال: كم يبلغ حجم تمثيلك؟ عندها فقط يمكن القول إن بعلبك الهرمل وجدت أخيرًا من يتحدث باسمها.