شربل الترس

ماذا يريد لبنان من سوريا الجديدة؟

4 دقائق للقراءة

زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبنان في زيارة هي الأولى له بعد التصريحات الذي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإمكانية التدخل السوري لمواجهة حزب الله عسكريا.

في الشكل الزيارة كانت تطمينية من جهة عدم التدخل عسكريا في لبنان، أما في المضمون فكانت زيارة أساسية لرسم خطوط الفصل الأخيرة بين دولتين مستقلتين هما سوريا ولبنان.

تاريخيًا العلاقة السورية-اللبنانية لم تكن علاقة متوازنة منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، الأسد الأب الآتي من خلفية بعثية والمتأثر بالفكر القومي السوري لم يستطع أن يرى لبنان بلدًا مستقلًا، فابتكر مصطلح شعب واحد في بلدين ووحدة المصير والمسار، حين ربط لبنان بسوريا فأصبح المتحكم بالمسارين.


يبقى السؤال الأساسي ماذا يريد لبنان من سوريا الجديدة؟

لبنان الخارج من مرحلة طويلة كان عنوانها الاحتلال الإيراني عبر حزب الله، يرغب أن يلعب دورًا حقيقيًا كدولة مستقلة غير تابعة ولا محتلة من دولة أخرى، لذا فهو يريد من سوريا الجديدة الكثير من الأمور:


1) عدم تدخّل اي طرف في شؤون الآخر:

عانى لبنان لعقود طويلة من التدخل المباشر من قبل نظام حافظ الأسد بينما كان التدخل غير مباشر بعد خروج الجيش السوري من لبنان 2005.

المطلوب اليوم علاقة نديّة بين دولتين مستقلتين، مبنية على الإحترام المتبادل لسيادة كلاّ من الدولتين، وهو ما شدّد عليه الوزير الشيباني حين عبّر عن ذلك صراحةً وقبله الرئيس السوري أحمد الشرع بالرغبة لإقامة علاقة صحيّة بين البلدين عن طريق المؤسسات الشرعية في لبنان وليس علاقة ملتوية مع أطراف سياسية غير رسمية.

هذا المطلب هو اليوم مطلب لبناني جامع بعد عقود من التدخل السلبي المتبادل، ويعتبر توقيع اتفاقية "اللجنة المشتركة العليا" هي الخطوة الأولى في هذا المسار الطويل.


2) ضبط الحدود وإغلاق ممرات التهريب

استنزف التهريب على الحدود اللبنانية-السورية الاقتصاد اللبناني خصوصًا في فترة الأزمة الإقتصادية اللبنانية حيث كان جزءًا كبيرًا من الدعم يذهب إلى سوريا لدعم نظام بشار الأسد المعاقب أميركيا.

المطلوب اليوم هو انتقال السيطرة على المعابر للأجهزة الرسمية بعد أن كان جزءٌ من المعابر غير الرسمية بيد تنظيمات عسكرية خارجة عن سلطة الدولتين اللبنانية والسورية.


3) الحل النهائي لملف النازحين

يُعتبر ملف النازحين السوريين من أعقد الملفات العالقة بين البلدين لصعوبة حلّه، المشكلة الأساسية كانت قبل وصول النظام الجديد: هي استمرارية الحرب وخوف النازحين العودة إلى بلد يحكمه جهاز مخابراتي برئاسة بشار الأسد، اليوم الوضع أصبح مختلفًا مع نهاية الحرب واستبدال النظام السابق بنظام أكثر قبولًا من قبل النازحين.

لذلك يتطلع اللبنانيون إلى تنسيق جاد وحقيقي بين الطرفين للوصول إلى حلول حقيقية لعودة النازحين إلى بلدهم.


4) تكامل اقتصادي بين البلدين

ينظر اللبنانيون إلى مرحلة ما بعد الحرب في سوريا بعين الفرصة الحقيقة للإستفادة من ورشة الإعمار التي ستنطلق فيها. خاصةً وأنّ لبنان عاش لفترة طويلة باختناق اقتصادي نتيجة إغلاق البوابة الوحيدة البرية له اي: سوريا، لذلك فإنّ مرحلة الإعمار ستكون مرحلة في غاية الأهمية للبنانيين بسبب فرص استفادة قطاعات كبيرة من الورشة الكبيرة التي ستنطلق في سوريا.


5) كشف مصير المفقودين اللبنانيين

يبقى مصير المفقودين اللبنانيين هو الملف الإنساني الذي لا زال عالقًا بين البلدين خصوصًا وأنّ النظام السابق رفض أن يفصح عن أي شئ يتعلق بهم، لذا يتطلع اللبنانيون بعين من الأمل في الكشف عن مصيرهم، لأنّ كشف مصيرهم هو خطوة أساسية لتنقية الذاكرة الجماعية بين البلدين.

بالخلاصة لبنان وسوريا هما بلدان مستقلان ويجب أن يتصرّف كل فريق مع الآخر من هذا المنطلق وهذا ما يدركه تمامًا كلاّ من الطرفين ويعمل لتحقيقه، وهذا ما يؤسس فعليًا لعلاقة متوازنة وحقيقية بين الطرفين ليصل الطرفان بعد فترة الى إستقرار حقيقي في كل دولة على حدة.