هشام بو ناصيف

عن بكاء طهران وفرحة طرابلس

3 دقائق للقراءة

بالشكل، لا توجد علاقة بين بكاء أعضاء وفد "حزب الله" في طهران بوداع خامنئي قبل أيّام، وفرحة طرابلس خلال زيارة وزير الخارجيّة السوري أسعد الشيباني لها الأسبوع الماضي. بالمضمون، البكاء في طهران، كما الفرحة في طرابلس، تعابير مختلفة عن خلفيّة واحدة، أعني أنّ لجماعتَي الإسلام اللبناني، سنّة وشيعة، هويّة عابرة لحدود لبنان، تشدّهما شعوريًا، وتاليًا سياسيًا، إلى دول مجاورة.

بشرّي ليست بعيدة كثيرًا عن طرابلس، ولكنّ الشيباني زار الثانية لا الأولى. صحيح أنّ مشاعر أهل بشرّي عمومًا تجاه نظام الأسد البائد تحاكي مشاعر طرابلس "مع حبّة مسك"، ولكنّ أحدًا في بشرّي ما كان سيرقص في الساحات ملوّحًا بعلم سوريا لو زارها وزير خارجيّتها. لا يعني هذا أنّ بشرّي جيّدة ولبنانيّة وطرابلس سيّئة وكارهة للبنان. بشرّي وطرابلس مدينتان لبنانيّتان؛ ولكن بطريقة مختلفة. الحذر من نوايا محيط لبنان تجاهه في جبال الأرز تقابله ثقة القريب بقريبه على الساحل. لا حذر بشرّي استعلاء و"انعزال"، ولا ثقة طرابلس وترحابها خيانة. هذه هويّات مجتمعيّة مختلفة تحدّد أفكار البشر وخياراتهم. لطالما كانت الأمور هكذا، ولطالما ستكون، ولو تفلسف المتفلسفون.

أرفض، كماروني من جبل لبنان، سياسة نظام ملالي إيران، ومزاعمه، ومنطلقاته العقيديّة، وأيّ تأثير لها على حياتي ومستقبل أريده لأطفالي في موطنهم، جبل لبنان، لا في أيّ مكان آخر من العالم. عندما أرى ابني يلهو في منزلنا في الشوف أفكّر أنّه يلعب في بيت جدّ جدّه. كي يبقى فيه عندما يكبر، هو يحتاج إلى فرص عمل يؤمّنها اقتصاد زاهر. وهذا مستحيل ما بقي لملالي طهران أيّ دور أو تأثير في مآلات الأمور في جبل لبنان. لذلك، أنا ضدّ الملالي. أبي ضدّهم قبلي، وابني سيكون كذلك معي وبعدي. موارنة جبل لبنان لن يرضخوا للإسلام السياسي، ولن يعترفوا بحقّ آيات الله بالتدخّل في شؤونهم. نقطة. انتهى. وما دام آيات الله يتدخّلون، فلا هوادة في الصراع معهم. الأمور بهذا الوضوح.

ولكنّي أفهم أنّ مشاعري وبيئتي تخصّنا أنا وهي وحدنا، وليست مشاعر الجميع. من أنا كي أقول لشيعة من جبل عامل ألّا تحزنوا لموت خامنئي؟ أو لا توالوه سياسيًا؟ أو إنّ مشاعركم تجاه إيران ينبغي لها أن تحاكي مشاعري، وإلّا لستم لبنانيّين؟ في الحقيقة: النائحون على خامنئي لبنانيّون. ولكن معنى أن يكون واحدنا لبنانيًا عندهم غير المعنى عندي وعند بيئتي.

أفكّر كثيرًا مؤخّرًا أنّ التحدّي الذي يواجهه الطرح الفدرالي في منطقتنا رافد من مشكلة أكبر قوامها رفض الليبراليّة، وجوهرها احترام حقّ الناس، كأفراد وجماعات، في التمايز الحرّ. يبدو لي أيضًا أنّ منطلق مصائبنا الفكريّة هو لعنة البحث عن حلّ سهل ومثالي لوضع مجتمعي شديد التعقيد. وبدل إهانة عقلي وعقول الناس بالكتابة عن اللامركزيّة، وتطبيق الطائف، وسائر الكلام الفارغ الذي يهواه كسالى العقل، معدومو الموهبة، أفضّل التفكير كما يلي: في الحدّ الأسوأ، هناك مشاكل لا حلّ لها. الأكراد، مثلا، شعب بلا وطن. مئات آلاف سكّان أميركا الأصليّين، "الهنود الحمر"، يعيشون إلى الساعة في محميّات فقيرة. ربّما نكون بدورنا في لبنان عالقين في دوّامة لا حلّ لها، وصراعنا الطائفي سيستمرّ دون أفق. مأساة؟ أكيد. تاريخ البشر كلّه مآسٍ متناسلة تقطعه مراحل من السلام الهشّ.

وفي الحدّ الأقل سوءًا، الحلّ يبدأ بالاعتراف المتبادل، أي بحقّنا في الاختلاف الجذري، ثمّ بناء نظام سياسي هدفه الأسمى لا قمع الاختلاف أو تجاوزه، بل منع تحويله إلى حرب أهليّة لأطول فترة ممكنة. السلام بين جماعات لا تحبّ بعضها، ولو كان باردًا وهشًا، خير من العنف.