تثير الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران وفروعها الإقليمية من جانب آخر، الكثير من التساؤلات والفرضيات التي تطرح عدّة أمور متشابكة متناقضة في كثير من الأحيان. يعود هذا الأمر بالدرجة الأولى الى تعدّد القوى المتواجدة في الصراع وإلى تنوّع هذه القوى من حيث الحجم والايديولوجية ومن حيث تعدّد الأهداف التي تستند عامة على المصالح وليس على المبادئ. وفي ضوء ذلك يمكن تفسير التناقضات التي تشهدها السياسة الاميركية في ازاء المنطقة بشكل عام وفي ازاء ايران بشكل خاص وهي سياسة صارت تحيّر المعنيين بشؤون المنطقة بما في ذلك الامريكيون أنفسهم. فعليه صار من الضروري إيجاد المحور - الأساس والحقيقي الذي تدور حوله السياسة الأميركية بعيدًا عن «التصوّرات التخيليّة الخادعة». وسيكون من المفاجىء القول ان الرئيس ترامب يسعى لاقامة تحالف سياسي وعسكري مع جبهة معارضة داخل السلطة الايرانية وانه بمثل هذا التحالف سيُحقق لأميركا دورًا مميزًا وناجحًا في النظام العالمي الجديد على مدخل القرن الحادي والعشرين.
ما هي المبررات التي أقنعت الرئيس ترامب بضرورة التحالف مع قوى معارضة إيرانية في وجه الصين وروسيا وإيران داخل العالم الإسلامي. ان هذا التحالف الثلاثي كان يشكّل قوة ناجحة على صعيد التحالف الدولي وذلك لأربعة أسباب جوهرية:
١- الديموغرافيا: ذلك ان قيام تحالف بين الصين وايران وروسيا سيعني قيام تحالف ديموغرافي يتجاوز حدود الملياري انسان. وسيكون له تأثير كبير في مصير البشرية انطلاقًا من القاعدة التي تقول أن الديموغرافيا هي التي تصنع التاريخ.
٢- الجغرافيا: يقع الثلاثي الصيني - الايراني - الروسي على خط مستقيم بين شرقي آسيا مرورًا بالعالم الإسلامي وصولًا إلى روسيا في أوروبا وهو بطبيعته الجغرافية يشكّل امتدادًا طبيعيًا بين آسيا وأوروبا على خط مستقيم ومتكامل على خريطة العالم بما يعطيه أهمية جيو- استراتيجية مميّزة.
٣- الاقتصاد: ان المميّزات الاقتصادية للصين تجعلها القدرة الاقتصادية الأولى في العالم وبالتالي يمنحها ميزة أولى في الاقتصاد العالمي الجديد. وهو ما سعت وتسعى إليه الصين في سياستها العالمية الجديدة وخاصة في ازاء ايران.
٤- الاديان: بالرغم من كون الصين وروسيا دولتين لا دينيتين فإن فيها قوى ماورائية لا تزال تحمل اثر التاريخ في شعبيهما.
وكذلك وضع إيران كدولة إسلامية بما يسمح بدخول الإسلام كقوة فاعلة - كبرى في النظام العالمي الجديد. ومع أن إيران كفرع شيعي في الاسلام لا تمثل سوى أقلية إسلامية (هي في حدود 15% في حين ان السنة يمثلون 85% من اعداد المسلمين) فان ايران انطلاقًا من شعبها وتاريخها تشكّل قوة متحركة ومؤثرة داخل الإسلام.
انطلاقًا من هذه العناصر الجيو - استراتيجية جرى، ويجري العمل لإرساء أسس العلاقات بين اميركا وإيران من جانب، وإسرائيل ولبنان من جانب الآخر. وعليه شرع الرئيس ترامب في استخدام أسلوب القوة مع إيران وتمثل ذلك بضرب كافة قواها العسكرية: البشرية والصاروخية في معظم المناطق الايرانية. بناءً عليه، وجدت ايران من المناسب لها أن تتفق مع الولايات المتحدة وهو ما تقوم به حاليًا: اتفاق بين أميركا وايران، واتفاق بين لبنان واسرائيل برعاية اميركا.
اولا: نشرت الولايات المتحدة مذكرة تفاهم مؤقتة مع ايران تهدف الى وقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. وترحّل الملفات الأكثر تعقيدًا وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني الى مفاوضات لاحقة. ويتضمن نص الاتفاق:
١- انهاء الحرب والتعهّد بعدم التصعيد بينهما وحلفائهما، بما يشمل لبنان.
٢- احترام السيادة وعدم التدخل لدى أي منهما.
٣- التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 30 يومًا.
٤- رفع الحصار البحري المفروض على إيران خلال 30 يومًا.
٥- تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال 30 يومًا.
٦- مرور آمن للسفن في مضيق هرمز دون رسوم.
٧- إدارة الخدمات البحرية في مضيق هرمز وفق القانون الدولي للبحار.
٨- خطة اعمار اقتصادية بمشاركة اميركا وشركاء إقليميين .
٩- رفع تدريجي للعقوبات عن إيران.
١٠- تعهد إيراني بعدم امتلاك أو تطوير أسلحة نووية وإخضاع قواعد التخصيب للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
١١- تتيح واشنطن لإيران استخدام أصول الأموال المجمّدة.
١٢- يحال النص النهائي لهذا الاتفاق الى مجلس الامن الدولي لاعتماده بقرار ملزم لكافة دول العالم.
ثانيا: لماذا ترفض إيران اعتماد قرار مجلس الامن حول وضع الخليج؟
لقد عمدت إيران منذ القديم بوضع يدها على الخليج والذي اعطي صفة الخليج الفارسي. فهي دولة موحدة من جانب والعرب متفرقون من الجانب المقابل. ومنذ المرحلة الأخيرة بدأت المفاهيم تتبدل. فالخليج لم يعد فارسيًا وصار يُستتبع بالضفة العربية لماذا؟
لأنّ الدول العربية الخليجية أكبر مساحةً من الدولة الفارسية في اطلالتها على الخليج. وهذه لائحة بالأرقام بالاستناد الى الاطالس الدولية:
جدول لدول الخليج العربي-الفارسي | طول الساحل على الخليج (كلم) | نسبته المئوية % |
المملكة العربية السعودية | 476 | 14.4 |
البحرين | 161 | 4.8 |
الإمارات العربية المتحدة | 675 | 20.4 |
| العراق | 58 | 1.7 |
| الكويت | 499 | 15.3 |
| عمان | 85 | 2.5 |
| قطر | 328 | 9.9 |
المجموع العربي | 2279 | 69% |
المجموع الفارسي | 1021 | 31% |
المجموع العام | 3300 | 100% |
Le bilan du monde
…مع ابراز الواقع الجغرافي والتحولات في المجتمع العربي أصبح صحيحًا قول احد الباحثين الفرنسيين:
Le golf que n’est plus Persique
منذ النصف الثاني من القرن العشرين لم يعد التشديد في تسمية الخليج لا على الخليج الفارسي ولا على الخليج العربي بل على الخليج العربي - الفارسي في عودة إلى كبير المؤرخين ارنولد تويمبي، من الضروري ان تكون لدينا نظرة شاملة إلى التاريخ الذي تتلاحق أهدافه. وهكذا على الايرانيين ان يأخذوا برؤية الخليج القديمة والحديثة أيضا. وعلى العرب أن يأخذوا بالحديثة والقديمة ايضا. ولأن التاريخ خط منفصل القطع فيه بين مرحلة واخرى بناء على اعتبارات مذهبية او ايديولوجية بل على رؤية تاريخية ترى الخليج على حقيقته لدى العرب والفرس في آن واحد.