من اللاوعي جاء الوعي، ومنه خُلق الإدراك. فالإدراك حسّي وعقلي... لا تُفتح أبوابه إلا لمن أنهكه السؤال، وأرهقته الحياة حتى صار يرى ما وراء الأشياء، لا الأشياء نفسها. فالإدراك ليس معرفة تُكتسب، بل يقظة تبلغها الروح، فتدرك أن الحياة ليست إلا طريقًا، وأننا لسنا سوى عابري سبيل. تتراقص أجسادنا على ألحانها اللازوردية في حفل لا ينفك ينتهي من غير استئذان. نظن أننا نملك الزمن، فإذا بالزمن هو من يمتلكنا، حتى إذا حانت ساعة الرحيل، لامست أرواحنا الثرى الرطب، وانهمرت قطرات العمر كما يذوب المطر في حضن الأرض. فتختلط نار الخلق الأولى بظلمة الفناء، ويمتزج نور البداية بسكون النهاية.
ثم... تراءت صورة العدم في الأفق البعيد، وانشقّ حجاب الظلمة، وانكسر شهاب في السماء، فتتابعت الشهب تتراشق في السماوات العظمى، كأن الكون كلّه يكتب سطوره الأخيرة. واتّسع ثقب أسود حتى ابتلع مساحات شاسعة من الوجود، وانحنت المجرات أمام جبروت الصمت. علا صوت اخترق ثبات السكون، صوت لا يشبه أصوات الأرض، جذب إليه كل ما في طريقه، حتى تحطّمت الكواكب، وانطفأت النجوم، وسقط الزمن نفسه في هاوية لا قرار لها. هناك... حيث لا يبقى إلا العدم.
الرهبة في العدم... نعم، الرهبة في الاندثار والفناء. تلك الرهبة التي تجرّد الإنسان من كل أوهامه. فكلّما زاد إدراكه، تآكلته همومه، وسقط عنه كبرياؤه؛ فيقف وحيدًا أمام الحقيقة المجرّدة، حقيقة أن كل ما ظنّه خالدًا، ليس إلا ظلا عابرًا على صفحة الزمن.
ويا لسخرية القدر... كلّما نضجت عقولنا، ازددنا يقينًا بأن الحياة بائدة، وأن البقاء فيها وهم جميل. وكلما تقدّمت بنا السنون، شعرنا بأن أجسادنا ليست سوى بقايا إنسان تحمل آثار رحلة قصيرة ظنّها صاحبها طويلة. فما الشيخوخة إلا الإدراك البطيء بأن الزمن لم يكن يسير حولنا، بل كان يسير فينا.
كلما نظرت إلى البعيد، وغصت بأفكارك في أعماق اللاوعي، سمعت النداء الأزلي يتردد في داخلك: من تراب خُلقت، وإلى التراب تعود. عندها تتساقط أقنعة القوة، ويصغر العالم بما فيه، حتى يصبح قبضة من غبار تحملها ريح لا تعرف أسماءنا.
وحين تذوب في هشاشة الحياة، وتبتعد عن سطوة المادة، تدرك أن كل ما تتصارع عليه الأجساد وتتنازعه الأرواح، لم يكن يومًا سوى وسيلة لحياة كريمة، لا غاية للحياة نفسها. فلا مال يزيد دقيقة في عمر كُتب له الانتهاء، ولا سلطان يؤخّر موعد الرحيل، ولا مجد يمنح الإنسان خلودًا حرمته الطبيعة.
فيا أيها الإنسان... ألقِ عن كتفيك ثوبًا أثقله الذهب، واترك أحلامًا تدور مع طواحين الهواء. توقّف لحظة، وانظر إلى نفسك من بعيد، وتأمّل انعكاس روحك على صفحة الماء. ابتعد عن دولاب الحياة الذي لا يكفّ عن الدوران، وتمهّل... تنفّس الصعداء... ففي الصمت من الحكمة ما لا تقوله الضوضاء.
اخرج من فناء جسدك، ولا تجعل حدود اللحم حدود روحك. ازهد فيما يفنى، وتعلّق بما يبقى. حلّق بروحك نحو الأعالي، فسُموُّها عند خالقها يتجاوز حدود الجسد، ويتخطّى فناء الزمن، لأن الأرواح لا تُقاس بما تعيشه على الأرض، بل بما تحمله معها إلى الأبد.
هل أعمل طالما أن كل شيء فانٍ وذاهب وبائد؟ وهل يستمر صراع الروح المدركة بين العمل والمكابدة في الحياة، وبين الإدراك ومعرفة سر الوجود؟
فلعلّ الإدراك الحقيقي ليس أن نفهم الحياة، بل أن نتصالح مع فنائها، وأن ندرك أن النهاية ليست نقيض البداية، بل بابها الآخر... وأن كل ما على الأرض إلى زوال، ويبقى وجه الخالق وحده، حيث لا عدم، ولا فناء، بل البقاء المطلق.