ناديا غصوب

بين فانس وروبيو... هل يبالغ لبنان في قراءة الخلاف الأميركي؟

3 دقائق للقراءة
من الأرشيف

يجري في الآونة الأخيرة تداول سردية تتحدث عن تباين في الرؤى بين ج. د. فانس وماركو روبيو بشأن ملفات الشرق الأوسط من إيران إلى لبنان وإسرائيل. بعض التحليلات تصوّر الأمر كصراع بين مسارين: أحدهما يميل إلى خفض التصعيد والسعي إلى تفاهمات تفضي إلى وقف إطلاق النار وإعادة التموضع الإقليمي، والآخر يتبنى مقاربة أكثر تشددًا تمنح إسرائيل هامشًا أوسع في إدارة اشتباكها الإقليمي.

إلا أن تفكيك هذه الصورة يكشف أنها لا تستند إلى معطيات رسمية تؤكد وجود «تقاسم أدوار متضاد» داخل الإدارة الأميركية. فصناعة القرار في واشنطن، ولا سيما في الملفات الأمنية والاستراتيجية الكبرى، لا تُدار كسباق شخصي، بل ضمن منظومة مؤسساتية تشارك فيها وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي والبنتاغون والبيت الأبيض، تحت سقف سياسي يرسمه الرئيس.

مع ذلك، أصبح الاختلاف داخل الحزب الجمهوري أكثر وضوحًا. هناك تيار «أميركا أولًا» الذي يميل إلى تقليص الانخراط الخارجي، مقابل تيار تقليدي يربط الاستقرار الإقليمي بتوازنات القوة الصلبة.

ومن هنا يمكن قراءة فانس وروبيو كتعبيرين عن هاتين المدرستين. وقد برز اختلاف المقاربتين بوضوح في التعاطي مع الملف الإيراني: فانس شدد على احتواء التهديد والعودة إلى المسار الدبلوماسي وتجنب حرب مفتوحة أو تغيير النظام، بينما ركز روبيو على تعزيز الردع والضغط على طهران وترسيخ الشراكة مع إسرائيل. الأولوية عند الأول للداخل الأميركي، وعند الثاني للحفاظ على حضور فاعل في الشرق الأوسط كجزء من المصالح الاستراتيجية.

ويبرز أيضًا الجدل حول دور جماعات الضغط مثل AIPAC في ملفات إسرائيل والشرق الأوسط. غير أن اختزال السياسة الأميركية بهذا العامل وحده يبقى تبسيطًا، لأن القرار يتداخل فيه الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية والحسابات الانتخابية وموازين الكونغرس والإدارة.

أما الحديث عن تفاهمات كبرى بين واشنطن وطهران أو تل أبيب أو بيروت، فيبقى ضمن التسريبات والقراءات غير المثبتة، إذ إن آلية صنع القرار الأميركي أعقد من أن تُختزل في مسارات متناقضة.

أما في ما يتعلق بلبنان، فالإشكالية تكمن في موقعه ضمن أولويات واشنطن. فالإدارات المتعاقبة تعاملت معه من زاويتين ثابتتين: الحفاظ على الاستقرار الأمني المرتبط بأمن إسرائيل، واحتواء النفوذ الإيراني عبر حزب الله. قد تتغير الأدوات، لكن العناوين الاستراتيجية تبقى ثابتة.

لذلك، يبقى رهان لبنان على تفكك داخل القرار الأميركي أو تصادم بين أجنحته رهانًا هشًا. فالسياسة الأميركية تميل في النهاية إلى إنتاج تسوية تشغيلية بين المؤسسات، لا إلى إقصاء أحد المسارات بالكامل.

وبناءً عليه، لا تبدو مصلحة لبنان في الانخراط في تجاذبات واشنطن الداخلية، بل في استثمار أي هامش متاح لتثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز دور الدولة في تنفيذ التزاماتها الدولية، وضبط قواعد الاشتباك، وتكريس منطق الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني.

فلبنان ليس لاعبًا في سباق الخلافة داخل الإدارة الأميركية، بل ساحة تتأثر بنتائجه. والرهان الحقيقي لبيروت هو إدراك حدود التباينات في واشنطن، والتعامل مع ثبات الاستراتيجية الأميركية أكثر من تقلبات خطابها.