في لبناننا العزيز نوع خاص جدًا من "المحللين السياسيين". نوع يصعب تصنيفه: هل هو كنز إعلامي نادر، أم ظاهرة تستحق أن تُدرَّس في كليات علم النفس؟ كائن عجيب لا يكتفي بالظهور على شاشة واحدة، بل يتنقّل بين القنوات بخفّة لاعب سيرك، يحمل معه الثقة نفسها مهما تبدّلت المواقف. يستيقظ كلّ صباح على تحليل جديد، وينام بعد ساعات على تحليل يناقضه تمامًا، من دون أن يبدو عليه أي أثر للحيرة، وكأن التناقض ليس مشكلة، بل مهارة مهنية.
في الصباح، يطلّ خبيرنا في استوديو أنيق، بربطة عنق مضبوطة، وأوراق مرتبة أمامه، ونبرة توحي بأنه خرج للتوّ من اجتماع مغلق مع صنّاع القرار في العالم. يبدأ بشرح المشهد السياسي بثقة كاملة، فيؤكد أن الحدث الفلاني يرسم اتجاهًا لا يقبل الشك، وأن التحالفات حُسمت، وأن الساعات المقبلة ستحمل تطورات شبه محسومة. يهزّ المذيع رأسه إعجابًا، بينما يحاول المشاهد في منزله أن يربط الخيوط ويقنع نفسه بأنه أخيرًا فهم ما يجري. لكن لا أحد ينتظر المساء طويلا.
بعد ساعات فقط، يظهر الضيف نفسه على قناة أخرى. الوجه ذاته، الابتسامة نفسها، والثقة نفسها أيضًا، إلا أن المشهد انقلب رأسًا على عقب. ما كان صباحًا دليلا قاطعًا، أصبح مساءً مجرد قراءة أولية. وما بدا محسومًا، صار احتمالا من بين احتمالات كثيرة. والأجمل أن أحدًا لا يسأله: "ألم تقل العكس قبل ساعات؟". ولو سأله أحد، فالإجابة جاهزة دائمًا: "المعطيات تبدّلت". جملة قصيرة، لكنها أشبه بزرّ إعادة التشغيل. تمحو كلّ ما سبق، وتفتح الباب لتحليل جديد، من دون الحاجة إلى الاعتذار عن القديم.
مدرسة لا تعرف الخطأ
في قاموس هذا الخبير، لا وجود لكلمة "أخطأت". هذه مفردة قديمة لم تعد تناسب العصر. هناك فقط "قراءة أولية"، و "تطورات لاحقة"، و "معلومات جديدة"، و "تحديث للمشهد". إذا أصاب، فهو صاحب رؤية ثاقبة، وإن أخطأ، فالواقع هو الذي تغيّر بطريقة غير متوقعة. أما إذا بقي الواقع على حاله، فسيجد تفسيرًا يجعلنا نشعر بأن المشكلة ليست في تحليله، بل في فهمنا نحن للتحليل. هكذا تتحوّل كل توقعاته إلى دائرة مغلقة، لا بداية لها ولا نهاية. فهو لا يخسر الرهان أبدًا، لأنه يملك دائمًا حق تعديل الرهان بعد إعلان النتيجة.
الاستوديو بالنسبة إليه ليس مكان عمل، بل موطنه الطبيعي. هناك، تحت الأضواء، يصبح كل شيء ممكنًا. يجلس باستقامة الواثق، ينظر مباشرة إلى الكاميرا، ويتحدث وكأنه يقرأ من كتاب لم يُطبع بعد. أحيانًا يبدو محللا استراتيجيًا. وأحيانًا دبلوماسيًا سابقًا. وأحيانًا شاهدًا على اجتماعات لم يدعُه إليها أحد. ولا يكتفي بشرح ما حدث، بل يشرح أيضًا ما سيحدث، ولماذا سيحدث، وكيف كان سيحدث لو لم يحدث ما حدث! أما المذيع، فيكتفي غالبًا بعبارته المعتادة: "كما تفضّلتم وذكرتم..."، مع أن ما تفضّل به صباحًا لم يعد موجودًا أصلا.
الضحية الأكثر صبرًا
يبقى المشاهد اللبناني الحلقة الأكثر إثارة للإعجاب في هذه المسرحية اليومية. يستمع صباحًا إلى سيناريو كامل، ثم يتلقى ظهرًا نسخة معدّلة، ويصل مساءً إلى سيناريو ثالث يبدو وكأنه يتحدث عن بلد آخر. بعد فترة، يتوقف عن البحث عمّن كان على حق. ويبدأ بالبحث عن آخر تحديث فقط. فالنسخة الأحدث هي التي تلغي كل النسخ السابقة، تمامًا كما يحدث مع تطبيقات الهاتف.
بعض المشاهدين يتعاملون مع الأمر بروح رياضية، ويعتبرونه نوعًا من الترفيه السياسي. آخرون يحاولون فعلا فهم الصورة، لكنهم يخرجون من كل حلقة وهم أكثر حيرة مما كانوا قبلها. أما أصحاب الخبرة الطويلة، فقد طوّروا وسيلة دفاع بسيطة، فهم لا يصدّقون شيئًا قبل أن يصبح خبر أمس تاريخًا، وخبر اليوم أرشيفًا. ورغم ذلك، يعودون في اليوم التالي لمتابعة الحلقة الجديدة، لأن الفضول في لبنان أقوى من الذاكرة أحيانًا.
ولا يكتفي صاحبنا بقراءة الحاضر، بل يغامر أيضًا باستشراف المستقبل. يتحدث عن المواعيد، والتحولات، والتسويات، وكأنه يحتفظ بنسخة احتياطية من الأيام المقبلة. يحدّد متى ستشتعل الجبهة، ومتى ستبرد، ومتى ستولد المبادرات، ومتى ستُدفن قبل أن ترى النور. لكن للمستقبل، للأسف، عادة مزعجة، فهو لا يلتزم دائمًا بما يقوله المحللون. عندها، لا يشعر خبيرنا بأي ارتباك. يعود إلى الشاشة بهدوء تام ليشرح أن التطورات الأخيرة فرضت واقعًا جديدًا، وأن القراءة السابقة كانت صحيحة في سياقها الزمني، وكأن المستقبل هو الذي غيّر رأيه لا المحلل. وهكذا يتحوّل كل توقع إلى محطة موقتة، وكل محطة إلى تفسير جديد، في دورة لا تنتهي.
قاموس مطاطي
لخبيرنا السياسي قاموس خاص، يتميّز بمرونة استثنائية. فيه كلمات لا تنتهي صلاحيتها أبدًا: "قد"، "ربما"، "حتى الآن"، "في هذه المرحلة"، "وفق المعطيات المتوافرة". عبارات تبدو بريئة، لكنها تؤدي وظيفة بالغة الأهمية، فهي تترك دائمًا بابًا خلفيًا مفتوحًا. فإذا أصاب التحليل، استشهد بالجزء الذي تحقق. وإذا أخطأ، استشهد بالجزء الذي قال فيه "ربما". بهذه الطريقة، يصبح كل تصريح قابلا لإعادة التفسير، وكل تفسير قابلا للتعديل، وكل تعديل قابلا لأن يُقدَّم باعتباره تطورًا طبيعيًا لا تراجعًا عن موقف سابق. إنها لغة لا تهزمها الوقائع، لأنها قادرة دائمًا على التكيّف معها.
قد يتساءل البعض: "إذا كانت التناقضات واضحة إلى هذا الحد، فلماذا يستمر المشهد؟". الجواب أبسط مما يبدو، لأن السياسة لا تعرف الفراغ. كل حدث يولّد عشرات الأسئلة، والمشاهد يريد إجابات فورية، حتى لو كانت موقتة. والقنوات تحتاج إلى من يملأ ساعات البث، والمحلل حاضر دائمًا، ببزته الأنيقة، وابتسامته الواثقة، واستعداده الدائم لشرح ما جرى وما سيجري، وربما ما كان سيجري لو جرى شيء آخر. الجميع يستفيد بطريقة أو بأخرى، إلا المُشاهد الذي يحاول أن يخرج بخلاصة واحدة مستقرة.
الحلقة المقبلة قريبًا
لا يمكن التعامل مع هذا النموذج بسخرية خالصة ولا بجدية مطلقة. فالسياسة تتبدّل، لكن بعض المحللين يتبدّلون أسرع منها. لذلك لم يعد السؤال: "من كان على حق؟"، بل "أي نسخة من المحلل نشاهد اليوم؟". محلّلنا الفذّ يخرج دائمًا محمَّلا بإجابات لا تعيش حتى نهاية الحلقة، لكنه يصرّ على تقديمها وكأنها صالحة للاستخدام طويل الأمد، قبل أن يستبدلها سريعًا بإصدار أحدث يطابق اللحظة أكثر مما يطابق الحقيقة. وفي كل الأحوال، لا يغادر خبيرنا الشاشة مهزومًا أبدًا، بل يغادر فقط ليستعدّ لظهور جديد، ومعطيات جديدة، ويقين جديد. أما المُشاهد، فلم يعد يطلب الحقيقة، يكفيه أن يعرف على أي قناة سيُبثّ التناقض التالي.