أحمد الأيوبي

الحرس الإيراني يتخذ آيات الله هـُزُوا

4 دقائق للقراءة

قام الحرس الثوري الإيراني بإعداد مسرح تشييع مرشد ثورته علي خامنئي بالكثير من العناية والتركيز والتخطيط، لتحويل تفاصيل التشييع إلى محطات ورسائل سياسية في الشكل والمضمون، لكنّه فشل في استقطاب حضورالقيادات الرئاسية، وتدنّى حضور الدول إلى مستويات وجدتها العواصم المشاركة مناسبة لمصالحها، لكنّ الأكيد أنّ العالم شاهد كيفية استغلال الحرس الثوري لآيات القرآن الكريم في بثّ الرسائل السياسية للوفود الآتية للتعزية ولدولها وللعالم بأسره، فقد استخدم الإيرانيون الآيات القرآنية في سياق لا يمكن وضعه إلاّ في الحالة التي وصفها القرآن الكريم بأنّهم "اتخذوا آيات الله هـُزُواً"، حيث حوّلوا الذكر الكريم إلى وسيلة للانتقاص أو الهمز واللمز أو تكريم من لا يستحق وإسقاط المصطلحات القرآنية على حالات لا تستقيم معها المقارنة أو المقاربة في الأساس.

يمكن القول إنّ الحرس الثوري والمنظمين بثّوا الآيات القرآنية المتعلقة بالكفار وأعداء الدين ووجهوها إلى الوفود المسلمة، وبثّوا آيات الرحمة والتسامح أمام وفود بعضها ملحد ولا يؤمن حاتى بوجود الله عزّ وجلّ.. ونسبوا إلى حزبهم في لبنان أنّه "حزب الله" وأنّهم الغالبون، بينما الانتساب إلى الله في القرآن متّصل بالالتزام بقواعد الدين، وأهمها عدم قتل الأبرياء وعدم نشر الإجرام وعدم إشاعة الفواحش والمخدِّرات.. وكلّ هذا فعله حزب إيران الأصفر..

أمّا اللافت في الآيات التي تلقاها وفد حركة حماس:"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا". وبهذا قسّم الحرس الثوريُّ حركة حماس، بين من قضى نحبه وبين من ينتظر الموت، على أن لا يبدِّلوا طريقهم، وهو طريق الموت.. لكن يبدو أنّ حماس خرجت من دائرة إيران واتجهت نحو الدائرة التركية الأميركية وصولاً إلى صفقة مع إدارة دونالد ترامب، ستظهر ملامحها بعد إقدام الحركة على حلّ حكومتها في غزة.

أمّا وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى، فاختار له الإيرانيون الآية الكريمة:«وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا»، وقد أراد الإيرانيون هنا تأنيب الوزير ومن يمثله بأنّه لم يفعل ما "وعظه" به الإيرانيون، فاتجه نحو التفاوض المباشر في واشنطن ولم يخضع للورقة الإيرانية الأميركية.

لم يكن الوزير منسى بحاجة إلى أن يسمع أيّ آية، لأنّ ما يتلقّاه رئيسه، الرئيس جوزاف عون من شتائم وتخوين يلاحقه من بيروت إلى طهران ذهاباً وإياباً، بانتظار أن يكفّ رئيس الجمهورية عن إعطاء فرصٍ لا تأتي بأيّ نتيجة، خاصة بعد أن أمضى سنة وثلاثة أشهر، وهو ينتظر تنازلاً لصالح الدولة لن يأتي..

لقد أثبت الإيرانيون، من خلال مراسم تشييع مرشدهم، أنّهم محترفون في اجتراح وسائل النكد والتناحر السياسي، حتى في مناسبة يأتي المشاركون ليقدِّموا لهم العزاء.. فانتقل اهتمام العالم من الحديث عن علي خامنئي، إلى انتظار كيف سيتلاعب المنظِّمون بالمشهد السينمائي خلال ممارسة هوايتهم التاريخية في المكر والطعن..

هل كان الرئيس عون ينتظر أن يكرَّمَ موفده في التشييع؟

إنّها محطة إضافية تؤكِّد أنّ من غير المجدي التعامل بدبلوماسية مع إيران وحزبها في لبنان، وهي التي تحتلّ جزءً من الأرض اللبنانية عبر حرسها الثوري بشكل مباشر، وعبر قوات الحزب، كما تحتل إسرائيل جزءً منها، وهنا ينبغي على الدولة أن تتحرّر من قيود الحزب، فقد انكسرت شوكته ولم يعد يستطيع قلب المعادلات، وهو ما زال يحيى على ما يقتات به من الدولة ليستمرّ في البلطجة والعدوان، وعلى الدولة فكّ هذا الارتباط، وتحرير الجيش من كلّ العوائق ليأخذ دوره المنتظر في تطبيق قرارات الشرعية وحسم توحيد السلاح تحت رايته، لأنّ عدم الإقدام سيجعل لبنان عرضة للعواصف الإسرائيلية والسورية والإقليمية، وعندها لا يمكن توقع ما ستنتهي إليه كلّ هذه العواصف.