ماكرون في دمشق: التعدّدية شرط الشراكة مع سوريا

4 دقائق للقراءة
الشيباني خلال استقباله ماكرون في دمشق أمس (أ ف ب)

حلّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضيفًا في دمشق أمس، وذلك خلال زيارة غير مسبوقة، هي الأولى لرئيس دولة عضو في الاتحاد الأوروبي منذ إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد. وكتب ماكرون عبر منصّة "إكس": "جئتُ لأؤكد التزام فرنسا إلى جانب الشعب السوري. من أجل سوريا ذات سيادة، موحّدة في تعدّديتها، وفي سلام مع جيرانها. معًا، لنفتح صفحة جديدة من الاستقرار والسلام"، فيما كان ماكرون أوّل رئيس غربي يستقبل الشرع في أيار 2025.

واستقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الرئيس الفرنسي عند وصوله إلى العاصمة السورية، قبل أن يتوجّه ماكرون إلى عشاء عمل مع نظيره السوري أحمد الشرع. وخلال مقابلة بثّتها قناة "بي أف أم تي في" الفرنسية مساء الاثنين، رحّب الشرع بدور فرنسا "البنّاء" في سوريا، معتبرًا أنها من "أصدقاء الشعب السوري". وأوضح أن باريس ستعمل في البنية التحتية والقطاع المالي في سوريا.

وزار ماكرون والشرع الجامع الأموي، بعد عشاء عمل وقبيل اجتماعات رسمية مقرّرة اليوم، وفق وكالة "فرانس برس". ونبّه قصر الإليزيه إلى أن "سوريا الجديدة لن تكون شريكًا لنا إلّا بشرط أن تؤخذ تعدديتها بالكامل في الاعتبار"، مؤكدًا أن باريس "صارمة" في هذا المطلب. واعتبر أنه "لا مجال لأن تحلّ سلطة إقصائية محلّ سلطة إقصائية أخرى".

ووصفت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" زيارة ماكرون إلى دمشق بأنها "تاريخية"، معتبرة إياها "محطة مفصلية في مسار استعادة سوريا حضورها الدولي، وتجسّد انتقال العلاقات السورية - الفرنسية إلى مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة المتكافئة".

يرافق الرئيس الفرنسي في زيارته عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات فرنسية عملاقة، بينهم رئيس مجلس إدارة شركة "سي أم أيه سي جي أم" رودولف سعادة، والرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز" باتريك بويانيه، لبحث سبل التعاون في مرحلة إعادة الإعمار واستئناف الاستثمارات، في وقت لا يزال انخراط الشركات الفرنسية في سوريا خجولا.

وبعد دمشق، يتوجّه ماكرون إلى أنقرة مساء اليوم، للمشاركة في قمة حلف "الناتو"، حيث سيلتقي الأربعاء نظيره التركي رجب طيب أردوغان. ومن المتوقع أن يحضر الملف السوري على لائحة المواضيع المطروحة بينهما. وسيلتقي الشرع، على هامش القمة، نظيره الأميركي دونالد ترامب.

وعشية القمة الحاسمة لـ "الناتو"، أطلقت روسيا صواريخ ومسيّرات استهدفت مباني سكنية في كييف ومحيطها للمرة الثانية خلال أسبوع، ما أسفر عن مقتل 22 شخصًا وإصابة العشرات وتضرّر 30 مبنى سكنيًّا، فيما حضّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الحلف على اتخاذ "قرارات قوية" خلال القمة لتعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية عقب هذه الهجمات، التي جاءت بعد أيام قليلة من هجوم روسي آخر أودى بأكثر من 30 شخصًا في كييف.

في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية شنّ "ضربة واسعة" باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت ما وصفتها بأنها "منشآت المجمع الصناعي العسكري" ومرافق الوقود والطاقة في مناطق أوكرانية عدّة. كذلك، أعلن الجيش الروسي أن قواته أسقطت أكثر من 500 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال الليل. وكثّفت كييف في الأسابيع الأخيرة هجماتها على منشآت الطاقة داخل روسيا في محاولة لإضعاف المجهود الحربي للكرملين، ما تسبّب في نقص الوقود في أنحاء البلاد.

ومن المقرّر أن يناقش زيلينسكي تطورات الحرب مع ترامب على هامش القمّة. ورأى ترامب، أمس، أن نهاية الحرب في أوكرانيا "باتت أقرب ممّا يتصوّره الناس"، مشيرًا إلى أنه سيتناول ملف أوكرانيا في أنقرة. بالتوازي، ذكر الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وترامب اتفقا خلال اتصال هاتفي أخيرًا على التواصل مرّة أخرى "في المستقبل القريب"، ما يشير إلى أنه من المرجّح أن يتحدّثا خلال الأسبوع الحالي في أثناء قمة "الناتو" أو بعدها.

وبدأت الدول الأوروبية زيادة ميزانياتها العسكرية بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، لكن الضغوط التي مارسها ترامب سرّعت هذا التوجّه. وقال دبلوماسي أوروبي لـ "فرانس برس" إن "ثورة تحصل داخل الحلف"، معتبرًا أن "هذا التحوّل في تقاسم الأعباء الذي قرّرناه سيغيّر الحلف جذريًّا". ويفيد دبلوماسيون بأن القادة يعتزمون في قمة أنقرة الدعوة إلى "أوروبا أقوى في ناتو أقوى"، مع السعي إلى إبقاء واشنطن منخرطة قدر الإمكان. وفي مراحل لاحقة، قد تتطلّع أوروبا بصورة إضافية إلى ربط أوكرانيا وقواتها، التي اكتسبت تجربة قتالية ميدانية، بمنظومة الأمن القاري على نحو أوثق.