الدكتور سايد حرقص

​هل يولد حلف ثلاثي جديد في مواجهة عهد جوزيف عون؟

4 دقائق للقراءة

​في لبنان، لا تبدأ التحولات السياسية الكبرى يوم وقوعها، بل تسبقها دائماً لقاءات واتصالات وإعادة تموضع بين القوى الفاعلة. هكذا كان المشهد قبل انتفاضة 6 شباط 1984، حين سبقت الاجتماعاتُ السياسية الانقلابَ على اتفاق 17 أيار، وهكذا أيضاً قبل الاتفاق الثلاثي عام 1985، عندما بدأت خطوط التواصل بين القوى المتخاصمة ترسم معالم مرحلة سياسية جديدة.

​من هذا المنطلق، يصعب النظر إلى اللقاءات الأخيرة بين الرئيس نبيه بري والزعيم وليد جنبلاط، أو إلى الاجتماع الذي جمع بري برئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، باعتبارها مجرد لقاءات بروتوكولية. فالسياسة اللبنانية لا تعرف المصادفات، خصوصاً عندما تلتقي شخصيات لعبت، ولا تزال، أدواراً محورية في رسم التوازنات الداخلية.

​ولا يعني ذلك أن لبنان يتجه حتماً إلى تكرار سيناريو 6 شباط أو الاتفاق الثلاثي، فلكل مرحلة ظروفها المحلية والإقليمية المختلفة، لكن التاريخ اللبناني يعلمنا أن الاصطفافات الجديدة غالباً ما تبدأ بلقاءات ثنائية، ثم تتحول إلى تقاطع مصالح، وقد تتطور لاحقاً إلى جبهة سياسية إذا توفرت الظروف المناسبة.

​لكل طرف من هؤلاء حساباته الخاصة؛ فالرئيس نبيه بري يسعى إلى المحافظة على موقعه المحوري في إدارة السلطة، ووليد جنبلاط يحرص على حماية دوره التقليدي في صناعة التوازنات، فيما يحاول جبران باسيل استعادة حضوره السياسي بعد انتهاء العهد السابق وما رافقه من تراجع في نفوذ "التيار الوطني الحر". ومن هنا، يصبح احتمال تقاطع مصالح هذه القوى في مواجهة العهد الجديد فرضية سياسية تستحق المتابعة، حتى لو لم ترتقِ بعد إلى مستوى التحالف الكامل.

​قد لا يكون الهدف المعلن إسقاط عهد الرئيس جوزيف عون، بل الحد من هامش حركته، خاصة في مجال استعادة الثقة بالدولة، ومشروع حصر السلاح بالقوى الشرعية، وفصل مسار لبنان عن مصالح إيران الكبرى من خلال التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت الرعاية الأميركية.

علماً أن مواجهة سياسة الرئيس جوزيف عون قد تشكل نقطة التقاء بين قوى تختلف في ملفات كثيرة، لكنها قد تتوافق على حماية توازنات قائمة ترى أنها مهددة.

​غير أن التاريخ اللبناني يقدم درساً لا يقل أهمية؛ فالعهد الذي يواجه منظومة سياسية متجذرة لا يستطيع أن يعتمد على شرعيته الدستورية وحدها، ولا على الدعم العربي أو الدولي فحسب، بل يحتاج إلى قاعدة سياسية وشعبية متماسكة تحمي مشروعه وتمنحه القدرة على مواجهة محاولات التعطيل.

​لقد أدرك الرئيس فؤاد شهاب سابقاً هذه الحقيقة، فحرص على بناء تفاهم سياسي مع الشيخ بيار الجميل، مما وفر لعهده ارتكازاً مسيحياً وازناً ساعده في تثبيت مشروع بناء مؤسسات الدولة. ورغم اختلاف الظروف التاريخية بين تلك المرحلة واليوم، فإن الدرس السياسي يبقى واحداً: لا يمكن لأي رئيس أن يقود مشروعاً إصلاحياً كبيراً من دون حاضنة سياسية صلبة.

​ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد للرئيس جوزيف عون أن يعمل على بناء شراكة استراتيجية مع القوى التي تعلن بوضوح التزامها بقيام الدولة وسيادتها، وفي مقدمتها "القوات اللبنانية"، بما يؤمن للعهد قاعدة مسيحية وازنة قادرة على دعم مشروع الدولة. إلا أن نجاح أي شراكة من هذا النوع يبقى مرتبطاً بقدرتها على أن تكون مدخلاً إلى مشروع وطني أشمل، لا اصطفافاً فئوياً أو طائفياً.

​فالرهان الحقيقي يجب أن يكون على إطلاق تحالف وطني عابر للطوائف، يجمع القوى والأحزاب والشخصيات كافة التي تؤمن بنهائية الكيان اللبناني، وبالدستور، وبسيادة الدولة الكاملة على أراضيها، وباحتكارها وحدها للسلاح وقرار الحرب والسلم، وببناء دولة المؤسسات والعدالة والمواطنة. فلبنان اليوم لا يحتاج إلى تحالفات ظرفية تحكمها الحسابات الآنية، بل إلى جبهة لبنانية واسعة تدافع عن مشروع الدولة في مواجهة محاولات التعطيل كلها، أو إعادة إنتاج موازين القوى التي أوصلت البلاد إلى أزماتها المتلاحقة.

​إن مواجهة أي اصطفاف سياسي جديد لا تكون بالمواجهة الإعلامية أو بالرهان على الوقت، بل بالمبادرة إلى بناء أكثرية وطنية متماسكة حول مشروع واضح للدولة. فالتاريخ اللبناني يثبت أن القوى المنظمة هي التي تفرض الوقائع، بينما يدفع المترددون ثمن انتظارهم.

​قد تكون اللقاءات التي نشهدها اليوم مجرد مشاورات عابرة، وقد تكون بداية إعادة تموضع سياسي واسع. لكن المؤكد أن نجاح عهد الرئيس جوزيف عون لن يتوقف فقط على إدارة السلطة، بل على قدرته على جمع اللبنانيين المؤمنين بالدولة والسيادة حول مشروع وطني جامع، يحصّن الجمهورية ويمنع العودة إلى دوامة الاصطفافات التي لطالما عطّلت قيام الدولة.