رفيق خوري

لبنان وسوريا: قدر الجيوبوليتيك

3 دقائق للقراءة
التحدي هو بناء علاقة ندّية بين البلدين

سوريا الجديدة قديمة جدًّا، لجهة العودة إلى السلفية الجهادية. هي ضد ما كانت عليه سوريا أيام البعث وآل الأسد، وليست مع ما كانت عليه بعد الاستقلال أيام الديمقراطية وأيام الانقلابات العسكرية والوحدة المصرية - السورية. والحكم الجديد في لبنان محكوم بالتساكن مع القديم الذي يتصرف كأنه لا يزال صاحب البيت. والتحدي أمام البلدين هو العمل للمرة الأولى على إقامة علاقات بين دولتين من الند إلى الند. فالعلاقات اللبنانية - السورية كانت دائمًا أوسع شعبيًّا من العلاقات الرسمية. ولا مرة كانت قائمة بين دولتين بالمعنى المتعارف عليه دوليًّا. أيام الوصاية السورية كان الشعار هو "شعب واحد في دولتين"، والواقع هو شعبان في دولة واحدة. وحتى بعد زوال الوصاية، فإن معالجة التشوهات والترسبات والمشاكل التي تركتها تحتاج الى وقت غير قصير وجهد غير عادي. ولم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت سوى خطوة بعد خطوات سبقتها على طريق طويل.

ذلك أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أكّد مرارًا أنه ليس راغبًا في دور عسكري في لبنان دعاه إليه الرئيس دونالد ترامب للتخلص من سلاح "حزب الله" بعد فشل تل أبيب وتردد بیروت ونجاحه في إخراج إيران و"الحزب" والحشد الشعبي من سوريا. ولعله عرف لبنان عن قرب أيام "جبهة النصرة" التي لعبت دورًا عسكريًّا في القلمون والبلدات اللبنانية المجاورة للحدود مع سوريا، حيث برز اسم أبو مالك التلي ثم غاب. لكن من الصعب، وربما المستحيل، ألا تلعب دمشق دورًا سياسيًا في بيروت يفرضه الجيوبوليتيك السوري الذي لا يتغير مهما تغيرت الأنظمة.

و"الرسالة" كانت أكثر من رمزية في جولة الشيباني على المسؤولين الرسميين الكبار وعدد من الزعماء السياسيين والمرجعيات الدينية، ثم في مشهد طرابلس. فلم يسبق لمسؤول سوري في عصر الوصاية أن وقف يحيي جمهورًا يرحب به. ولا كان تلويح الشيباني من الشرفة لمستقبليه في طرابلس سوى شيئ يعيد التذكير بمرحلة الرئيس جمال عبد الناصر حيث كان اللبنانيون يزحفون إلى دمشق للترحيب به وسماع خطابه. وطرابلس الشام هي حالة خاصة. لكن لبنان كله، في أمور معينة، هو أيضًا حالة خاصة. كيف ؟

اللبنانيون، من أيام الإمارة والقائمقاميتين والمتصرفية ولبنان الكبير، في بحث دائم عن نفوذ خارجي يستقوي به هذا الطرف أو ذاك. وليس قليلا عدد الدول التي لكل منها حصة شعبية في الوطن الصغير.

مصر كانت لها حصة شعبية مهمة، لا فقط في أيام عبد الناصر بل أيضًا قبل ذلك أيام الملك فاروق وسعد زغلول والنحاس باشا. سوريا لها حصة شعبية تغيرت هويتها تحت حكم الاستقلال، ثم حكم الوحدة مع مصر، ثم حكم البعث وآل الأسد، ثم حكم "هيئة تحرير الشام". السعودية لها حصة شعبية ثابتة وفي مواقع جديدة متغيرة. وإيران لديها اليوم حصة شعبية وحزب مسلح يقاتل من أجلها. فرنسا لديها حصة شعبية تكبر أو تصغر حسب الظروف وقدرة باريس. بريطانيا قلت حصتها بعد مرور زمن على دورها في الاستقلال. الاتحاد السوفياتي كانت له حصة ورثت بعضها روسيا. وأميرکا اليوم هي صاحبة حصة كبيرة في مواجهة مع حصة إيران. وفي "الوطن النهائي لجميع أبنائه" حسب الدستور، أحزاب عابرة للحدود داعية لأنواع من الوحدة. و"لبنان عانى بسبب مزاياه لا بسبب أخطائه" كما قال المؤرخ والمستشرق برنارد لويس.