روجيه نهرا

"الحاصباني" يحتضر: المياه الآسنة تهدّد الزراعة والسياحة والثروة السمكية

7 دقائق للقراءة

يُعتبر نهر الحاصباني في منطقة حاصبيا أحد أغزر الأنهار في لبنان، وهو ليس مجرد مجرى مائي، بل شريان حياة حقيقي شكّل، على مدى سنوات طويلة، ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي. فقد اعتمدت عليه عشرات المشاريع الزراعية والسياحية والاستثمارية، واشتهر بغزارة مياهه، وثروته السمكية الغنية، وجماله الطبيعي الذي استقطب آلاف الزوار، وجعل منه إحدى أبرز الوجهات البيئية في الجنوب.

إلا أن هذا الواقع تبدّل اليوم بصورة مأسوية، بعدما تحوّل النهر إلى ضحية لتدفّق مياه الصرف الصحي من قرى منطقة حاصبيا. فهذه المشكلة لم تكن قائمة في الماضي، إذ كانت المنازل تعتمد على الحفر الامتصاصية (الجور الصحية)، ولم تكن شبكات الصرف الصحي تصبّ مباشرة في مجرى النهر، ما حافظ، لسنوات طويلة، على نقاء مياهه وسلامة نظامه البيئي. أما اليوم، فإن استمرار تدفّق المياه المبتذلة يهدّد الثروة السمكية، ويُلحق أضرارًا جسيمة بالقطاع السياحي، ويُنذر بكارثة بيئية حقيقية إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لوقف هذا التلوث.

في الماضي، لم تكن مياه الصرف الصحي تصل إلى نهر الحاصباني، إذ كانت معظم المنازل، بما يقارب 90 في المئة منها، تعتمد على الحفر الامتصاصية، ما حافظ على نقاء النهر لعقود طويلة. أما اليوم، فقد تبدّل المشهد بالكامل، وأصبح الحاصباني المصبّ الأخير لمياه الصرف الصحي القادمة من حاصبيا وعدد كبير من بلدات المنطقة، فتحوّل من نهر للحياة إلى مجرى للتلوث.

النتائج كانت كارثية على كل المستويات. فمياه النهر لم تعد صالحة لري المزروعات. أما الثروة السمكية، التي كانت مصدر رزق لعشرات العائلات في حاصبيا، فقد اختفت بالكامل. ولم يعد في النهر أي مظهر من مظاهر الحياة، فلا أسماك، ولا سرطانات، ولا ضفادع، بعدما قضى التلوث على النظام البيئي الذي كان يميّز الحاصباني.

ولم تسلم السياحة البيئية من هذه الكارثة. فالمنتزهات والاستراحات التي كانت تعجّ بالزوار على ضفاف النهر تراجعت بشكل كبير، بعدما أصبحت الروائح الكريهة والمياه الملوثة تمنع الناس من ارتياده، وفقد الحاصباني جزءًا كبيرًا من قيمته السياحية التي اشتهر بها.

ورغم خطورة الواقع، برزت مبادرة تستحق الإشادة، إذ نجحت بلدية حاصبيا، بدعم من عدد من المزارعين، في إبعاد جزء مهم من مياه الصرف الصحي عن مجرى النهر داخل البلدة. لكن هذه الخطوة، على أهميتها، تبقى غير كافية، إذ لا تزال كميات كبيرة من المياه المبتذلة تصبّ في الحاصباني.

إن إنقاذ هذا النهر، يتطلب خطة شاملة وتعاونًا بين جميع البلديات والجهات المعنية، لأن استمرار هذا الواقع يعني خسارة واحدة من أهم الثروات الطبيعية، وتحويل نهر كان يومًا رمزًا للحياة والازدهار إلى شاهد على كارثة بيئية تتفاقم يومًا بعد يوم.

وكانت لـ"نداء الوطن" جولة على ضفاف النهر، التقت خلالها عددًا من أصحاب المنتزهات والأراضي الزراعية المنتشرة في جوار الحاصباني، وكذلك البلديات المعنية.

المسؤولية اليوم لم تعد تقع على عاتق البلديات وحدها، كما أشار السيد صالح شروف، بل باتت مسؤولية الدولة بكل مؤسساتها. فالكارثة البيئية التي تضرب نهر الحاصباني تكشف تقصيرًا واضحًا في أداء الجهات الرسمية، وفي مقدّمها وزارات البيئة والأشغال العامة والسياحة، التي يُفترض بها حماية هذا المورد الطبيعي ووضع حد لاستمرار تلوثه.

وأضاف أنه على الرغم من اتخاذ خطوات للحد من تدفّق مياه الصرف الصحي إلى مجرى النهر ضمن نطاق البلدات، وهي مبادرة إيجابية تستحق الدعم، فإنها لن تكون كافية ما لم تتحول إلى مشروع متكامل تشارك فيه جميع البلديات الواقعة على حوض الحاصباني، برعاية الدولة وتمويلها.

وأشار إلى أن التجربة التي نفّذتها بلدية حاصبيا أثبتت أن الحلول موجودة وليست مستحيلة. فمن خلال إنشاء خطوط وأنابيب لنقل مياه الصرف الصحي بعيدًا من مجرى النهر، أمكن الحدّ من التلوث في جزء كبير من الحاصباني. وما يحتاجه النهر اليوم هو استكمال هذا المشروع حتى جسر الشقعة، بما يمنع استمرار تدفّق المياه المبتذلة إلى مجراه، ويعيد الحياة تدريجيًّا إلى مياهه ونظامه البيئي.

شيرين أبو راشد، صاحبة أراض زراعية على ضفاف الحاصباني، قالت: "كان النهر يومًا شريان الحياة لأهالي المنطقة، ومتنفّسهم الطبيعي للسباحة وصيد الأسماك والاستجمام، وكان يستقطب الزوار من مختلف المناطق. أما اليوم، فقد تحوّل إلى نهر ملوّث بعد أن بدأت مياه الصرف الصحي تُصبّ في مجراه منذ نحو ثلاث سنوات، في مشهد مؤلم يهدّد البيئة والصحة العامة ومصدر رزق المزارعين.

صحيح أن بلدية حاصبيا نجحت في إبعاد جزء من المياه الآسنة عن مجرى النهر داخل البلدة، إلا أن المشكلة لم تُحل، بل انتقلت إلى ضفاف بلدة كوكبا، حيث باتت المياه المبتذلة تمرّ بين الأراضي الزراعية والمنتزهات السياحية قبل أن تصبّ في الحاصباني، ناشرة الروائح الكريهة والتلوث في كل أرجاء المنطقة.

ما يجري جريمة بيئية لا يمكن السكوت عنها، ومعالجة هذه الكارثة لا تكون بحلول جزئية، بل بخطة متكاملة تشارك فيها جميع البلديات والوزارات المعنية لنقل مياه الصرف الصحي بعيدًا من نهر الحاصباني بشكل نهائي. نحن أبناء المنطقة مستعدون للمساهمة بكل ما نستطيع، لكن لم يعد مقبولًا أن يبقى هذا النهر، الذي كان رمزًا للحياة، ضحية للإهمال والتقصير، فيما يزداد التلوث يومًا بعد يوم، ويهدّد الزراعة والسياحة والثروة السمكية وصحة المواطنين".


رئيس اتحاد بلديات الحاصباني، رئيس بلدية حاصبيا، لبيب الحمرا

تشغيل محطات التكرير في لبنان ليس من اختصاص البلديات

قامت بلدية حاصبيا عام 2016، بالتعاون مع اتحاد بلديات الحاصباني، بصيانة محطة التكرير وتوسعتها بهدف معالجة مياه الصرف الصحي والحفاظ على نظافة مياه نهر الحاصباني. وتجدر الإشارة إلى أن تشغيل محطات التكرير في لبنان ليس من اختصاص البلديات، بل يقع ضمن مسؤوليات مؤسسات المياه.

وبالتوازي مع ذلك، سعت بلدية حاصبيا، بالتنسيق مع مجلس الإنماء والإعمار، إلى إنشاء محطة تكرير تخدم البلدات الواقعة ضمن حوض نهر الحاصباني.

وفي عام 2019، لم تعد محطة التكرير القائمة قادرة على استيعاب كميات مياه الصرف الصحي ومعالجتها، ما دفع البلدية إلى تمديد خط الصرف الصحي إلى ما بعد السدود المستخدمة لري البساتين، بهدف إبعاد مصادر التلوث عن المياه التي تعتمد عليها الأراضي الزراعية.

وحاليًا، تؤكد البلدية أن جميع الأقنية المستخدمة لري الأراضي الزراعية نظيفة، كما أن أكثر من ثلثي مجرى نهر الحاصباني لا يزال يتمتع بمياه نظيفة. وفي الوقت نفسه، يواصل اتحاد بلديات الحاصباني إجراء الاتصالات وعقد الاجتماعات مع مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الطاقة والمياه للمطالبة بإنشاء محطة تكرير حديثة تخدم كامل المنطقة، حفاظًا على نهر الحاصباني ومنعًا لتكرار تجربة تلوث نهر الليطاني وتحوله إلى نموذج بيئي كارثي.


بلدية كوكبا تتابع الملف بالتنسيق مع اتحاد بلديات الحاصباني

أكد رئيس بلدية كوكبا، إيلي أبو نقول، خلال اتصالنا به لمعرفة الخطوات والإجراءات التي تتخذها البلدية لمعالجة المشكلة، أن "البلدية تتابع ملف تلوث نهر الحاصباني بشكل حثيث وبالتنسيق المباشر مع اتحاد بلديات الحاصباني"، مشيرًا إلى أن "اجتماعًا عُقد يوم الجمعة الماضي خُصص بالكامل لبحث الكارثة البيئية التي تهدّد النهر ووضع حلول عاجلة للحد من تفاقمها".

وأوضح أن المشاورات لا تزال مستمرة بين البلدية ورئاسة الاتحاد لتحديد أسرع الإجراءات الممكنة، التي من شأنها وقف مصادر التلوث وحماية مجرى النهر. كما أكّد رئيس البلدية أن محطة تكرير مياه الصرف الصحي الخاصة ببلدة كوكبا غير موصولة بمجرى النهر بأي شكل من الأشكال. كما دعا أبو نقول من يشاء من وسائل الإعلام والجمعيات والناشطين البيئيين إلى التأكد من هذا الأمر عبر زيارات ميدانية في أي وقت.

إن إنقاذ الحاصباني لم يعد مطلبًا بيئيًّا فحسب، بل ضرورة وطنية واقتصادية وصحية. فكل يوم يمر من دون معالجة يعني مزيدًا من تلوث المياه، وخسائر أكبر للقطاع الزراعي، وتراجعًا للسياحة، وتهديدًا مباشرا لصحة المواطنين. لذلك، فإن المطلوب قرار رسمي عاجل يضع خطة شاملة لإنهاء هذه المأساة، لأن نهر الحاصباني، أحد أهم الأنهار اللبنانية، لا يجوز أن يبقى ضحية الإهمال والتقصير، فيما تتحول مياهه يومًا بعد يوم إلى مجرى للصرف الصحي بدل أن تبقى مصدرًا للحياة.