المقدمة
هناك أفكار تغيّر مسار إنسان، وأخرى تغيّر مسار أمة، لكن هناك فكرة واحدة، إذا فهمها الإنسان، تغيّرت نظرته إلى نفسه، وإذا قامت عليها الحضارات، تغيّر التاريخ؛ هي ليست نظرية معقدة، ولا اكتشافًا علميًا، ولا سرًا لا يدركه إلا الفلاسفة، بل حقيقة يعرفها الطفل قبل أن يتعلم الكلام، ويشعر بها الإنسان قبل أن يستطيع التعبير عنها، ومع ذلك، كانت أكثر حقيقة أسيء فهمها منذ بدأ الإنسان يروي قصته على هذه الأرض، لأننا بحثنا عنها في المال، وهي ليست هناك؛ وبحثنا عنها في السلطة، وهي ليست هناك؛ وبحثنا عنها في الشهرة، وفي القوة، وفي انتصارات الحروب، وفي تصفيق الجماهير، ولم نجدها. ليس لأنها كانت بعيدة، بل لأننا كنا نفتش عنها في المكان الخطأ.
ومنذ أن بدأ الإنسان يبحث عن قيمته خارج نفسه، بدأ سوء الفهم الكبير، فظن أن كرامته تُمنح، أو تُنتزع، أو ترتفع وتنخفض تبعًا لما يملك أو يحقق أو لما يقوله الآخرون عنه.
إنها أسبق من كل ذلك، وأعمق من كل ذلك؛ فالكرامة ليست شيئًا يُضاف إلى الإنسان، بل هي من صميم كينونته.
ليس أصعب سؤال يواجه الإنسان في حياته: كيف يعيش؟ بل سؤال آخر أكثر هدوءًا، وأكثر خطورة، كيف يبقى إنسانًا؟
فالعيش يتعلمه الجميع، نتعلم كيف نعمل، وكيف نربح، وكيف نخسر، وكيف نتأقلم مع الظروف، وكيف ننهض بعد السقوط؛ لكننا نادرًا ما نتعلم كيف ننظر الى الشيء الوحيد الذي يجعل لكل ذلك معنى؛ كرامتنا.
والغريب أن كلمة الكرامة أصبحت من أكثر الكلمات استعمالًا، ومن أقلها فهمًا؛ نسمعها في الخطب السياسية، وفي المحاكم، وفي الدساتير، وفي البيانات الدولية، حتى أصبح استعمالها أسهل من التأمل فيها. ومع كثرة استعمالها، وقعنا في خطأ كبير؛ صرنا نتحدث عن الكرامة كما لو أنها شيء يمكن أن يمنحه شخص لآخر، أو تسلبه سلطة من إنسان، أو يقرره قانون، أو تمنحه وظيفة. لكن، لو كان الأمر كذلك، لما بقي للكرامة أي معنى، فكل ما يمنحه إنسان، يستطيع إنسان آخر أن يسلبه.
ليست أعظم مأساة الإنسان أنه يموت، أو يمرض، أو يفشل، أو حتى يخسر من يحب، بل أن يعيش سنوات طويلة وهو يحاول أن يثبت أنه يستحق أن يكون إنسانًا.
لنتأمل حياتنا قليلًا، منذ طفولتنا الأولى يبدأ الامتحان، نفرح عندما يقال لنا: "أحسنت"، ونحزن عندما يقال لنا: "كان بإمكانك أن تكون أفضل." ثم تكبر الامتحانات، علامات المدرسة، ثم الجامعة، ثم الوظيفة، ثم الراتب فالمنصب، البيت، السيارة، الشهرة، ثم عدد الأشخاص الذين يعرفون اسمك؛ وكأن العالم يهمس في أذن الإنسان، منذ ولادته وحتى آخر يوم في حياته: "أثبت أنك تستحق."
لكن، أثبت ماذا تحديدًا؟ أثبت أنك ذكي؟ أو ناجح؟ أو غني؟ أم أثبت أنك... إنسان؟
وهنا، بصمت، بدأت أكبر كذبة في تاريخ الإنسان، لقد أقنعنا العالم أن الإنسان يولد ناقص القيمة، وأن عليه أن يقضي عمره كله في محاولة تعويض هذا النقص.
ما لا يملكه الإنسان
لنبدأ من سؤال بسيط، ما الكرامة؟
ليست شعورًا بالكبرياء، وليست اعتزازًا بالنفس، وليست تفوقًا على الآخرين، وليست امتيازًا يمنحه المجتمع، الكرامة هي القيمة المتأصلة في الإنسان، والتي تجعل وجوده مستحقًا للاحترام لمجرد أنه إنسان؛ ولعل هذا ما أدركته الأديان قبل الفلسفات، حين رأت أن قيمة الإنسان لا تبدأ مما يملكه، بل مما هو عليه من صورة الله ومثاله.
هل يصبح الإنسان أقل إنسانًا عندما يمرض؟ وهل يفقد شيئًا من إنسانيته عندما يفتقر؟ وهل تنقص قيمته عندما يفشل؟ وهل يصبح أقل استحقاقًا للاحترام عندما يشيخ، أو عندما يعجز، أو عندما يفقد عمله؟ لا أحد يقبل بهذه المعادلة، بل إن ضمير الإنسان يرفضها قبل أن يرفضها العقل؛ لأن في داخل كل واحد منا يقينًا صامتًا يقول إن هناك شيئًا لا تمسه هذه التحولات كلها، شيئًا يبقى ثابتًا، بينما يتغير كل شيء، هذا الشيء هو ما نسميه الكرامة.
لكننا أخطأنا عندما اعتبرناها ملكية خاصة للإنسان، فالإنسان يملك بيتًا، ومالًا، ومعرفة، ونفوذًا؛ أما الكرامة، فهو لا يملكها؛ لأن ما يُملك يمكن أن يُفقد. أما الكرامة، فلا تُفقد لأنها ليست شيئًا خارج الإنسان، إنها ليست ثوبًا يرتديه، ولا وسامًا يعلقه المجتمع على صدره، ولا لقبًا يسبقه. إنها ليست إضافة إلى الإنسان، بل جزء من تعريفه.
ولهذا، فإن الإنسان لا تزيد كرامته عندما يحترمه الناس، كما أنه لا يفقد كرامته عندما يحتقرونه، فالاحترام اعتراف بالكرامة، وليس مصدرًا لها.
خارج المقاييس
لقد اعتدنا أن نقيس الكرامة بنتائج الحياة، فنقول عن إنسان إنه عاش بكرامة لأنه نجح؛ او نقول عن آخر انه فقد كرامته لأنه افتقر؛ او نصف أمة بأنها استعادت كرامتها لأنها انتصرت.
النجاح ليس كرامة، والثروة ليست كرامة، والقوة ليست كرامة، والمنصب ليس كرامة؛ بل قد تتحول كلها إلى وسائل لسحق كرامة الآخرين؛ ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخسر الإنسان أمواله، بل أن يظن أن أمواله كانت مصدر كرامته؛ وليس أن يفقد منصبه، بل أن يعتقد أن المنصب هو الذي جعله إنسانًا.
إن العالم يربط الإنسان دائمًا بما يملك؛ أما الكرامة، فتربطه بما هو عليه.
وهنا يبدأ الاختلاف الجذري بين نظرة المجتمع إلى الإنسان، ونظرة الإنسان إلى نفسه.
حين لا يعود الإنسان مرئيًا
يعيش الإنسان قلقًا دائمًا، لا لأن الحياة مليئة بالمخاطر، بل لأنه يخشى أن تتحول ظروفه إلى مقياس لقيمته، ليس لأنه يخاف الفشل، بل لأنه يظن أن الفشل سيجعله أقل قيمة؛ وليس لأنه يخاف الفقر، بل لأنه يخشى أن يعامله الناس كما لو أن قيمته قد افتقرت معه؛ وليس لأنه يخاف الشيخوخة، بل لأنه يخاف أن يصبح غير مرئي؛ أن يكون حاضرًا، لكن لا يراه أحد؛ وهل يوجد وجع أشد من أن يشعر الإنسان أنه أصبح زائدًا عن حاجة العالم؟
أحيانًا، لا يقتل الإنسان الجوع، بل يقتله الإذلال، ولا تكسره قلة المال، بل أن يضطر إلى التنازل عن نفسه ليحصل عليه، وليس أكثر ما يؤلم المريض مرضه، بل أن يتحول، في نظر الآخرين، إلى رقم في ملف، أو إلى عبء في ميزانية، أو إلى حالة تنتظر دورها، فالإنسان يستطيع أن يحتمل الألم، ويستطيع أن يحتمل الفقد، ويستطيع أن يحتمل الفقر، وهو ينهار حين يشعر أن أحدًا لم يعد يرى فيه إنسانًا. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل الذي انكسر هو كرامته، أم اعتراف الآخرين بها؟
هناك أفكار لا تُختبر في الكتب، بل في أكثر لحظات الحياة قسوة؛ عرف القرن العشرون أماكن لم يكن الهدف فيها قتل الإنسان فحسب، بل محو إنسانيته. هناك، في معسكرات الاعتقال النازية، حيث تحولت الأسماء إلى أرقام، وعاش البشر في أقسى الظروف التي عرفها العصر الحديث، كان الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) أحد الناجين، ولم يخرج من تلك التجربة حاملًا قصة عن المعاناة فقط، بل شاهدًا على حقيقة غيّرت فهمه للإنسان؛ فبالنسبة اليه، لقد استطاع السجّان أن يسلب الإنسان بيته، وحريته، وأحباءه، ومستقبله، لكنه لم يستطع أن يسلبه إنسانيته. فيتغير السؤال، لا يعود السؤال: كيف نحافظ على الكرامة؟ بل يصبح: هل كانت الكرامة أصلًا في المكان الذي حاول السجّان أن يصل إليه؟
فلو كانت الكرامة في الحرية، لفقدها الأسير، ولو كانت في الثياب، لفقدها السجين، ولو كانت في السلطة، لفقدها المقهور، ولو كانت في الظروف، لتبدلت كلما تبدلت الحياة؛ لكنها بقيت، لا لأنها كانت أقوى من السجّان، بل لأنها لم تكن يومًا في متناول سلطته، كانت في مكان لا تستطيع يد أن تبلغه، في الإنسان نفسه.
ولذلك لم يكن فرانكل يشهد على انتصار الإرادة فحسب، بل على حقيقة أعمق بكثير: أن الإنسان قد يُجرَّد من كل ما يملك، لكنه لا يُجرَّد مما هو عليه، وقد يفقد حريته، ولا يفقد إنسانيته، وقد يخسر العالم كله، ويبقى محتفظًا بما هو أثمن من العالم كله، وهنا ندرك أن الكرامة ليست ما يمنع الإنسان من السقوط، بل ما يمنعه من أن يتحول، في سقوطه، إلى شيء مختلف، فالإنسان قد يخسر كل شيء، وما دام لم يُختزل إلى شيء، بقيت كرامته شاهدة على حقيقته.
يحميها، لا يمنحها
إذا كانت الكرامة كامنة في الإنسان نفسه، فما دور المجتمع؟ وما دور الدولة؟ وما دور القانون؟ هل هي مجرد أفكار جميلة نعزي بها أنفسنا عندما تشتد الحياة؟ كلا.
فالكرامة ليست اختراعًا قانونيًا، هي تحتاج إلى نظام قانوني يحميها، وليست منحة من الدولة، إنما تحتاج إلى دولة تعترف بها؛ وليست قرارًا سياسيًا، لكنها تحتاج إلى سياسة لا تدوسها.
وهنا يقع كثيرون في خطأين متناقضين، الخطأ الأول أن يظنوا أن الدولة تمنح الإنسان كرامته، والخطأ الثاني أن يظنوا أن الكرامة لا علاقة لها بطريقة تنظيم المجتمع؛ والحقيقة أن الدولة لا تخلق الكرامة، لكنها تستطيع أن تحترمها أو أن تنكرها؛ كما أن القانون لا يصنع إنسانًا، انما يستطيع أن يحمي الإنسان من الظلم؛ ولهذا فإن قيمة القانون لا تكمن في سلطته، بل في الإنسان الذي وُجد من أجله.
من هنا نفهم لماذا كان شارل مالك (Charles Malik) يرى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يُكتب ليمنح الإنسان كرامته، بل ليعترف بها. إن الفرق بين العبارتين ليس فرقًا لغويًا، إنه فرق بين رؤيتين للعالم، إذا كانت الكرامة منحة من الدولة، فالدولة تستطيع أن تسحبها، وإذا كانت منحة من السلطة، فالسلطة تستطيع أن تمنعها، أما إذا كانت الكرامة سابقة على كل سلطة، فإن وظيفة الدولة تتغير، لا تعود صانعةً للكرامة، بل تصبح حارسةً لها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للحقوق، فالحق في التعليم لا يجعل الإنسان كريمًا، والحق في العمل لا يمنحه قيمة، والحق في التعبير لا يضيف إلى إنسانيته شيئًا. كل هذه الحقوق تقول شيئًا واحدًا فقط: بما أن الإنسان كرامته في ذاته، فلا يجوز أن يُحرم مما يساعده على أن يعيش وفق هذه الكرامة؛ وهنا يصبح الحق نتيجةً للكرامة، لا مصدرًا لها.
الإنسان قبل الدور
نخطئ كثيرًا عندما نحصر الكرامة في لحظات الإهانة، فالكرامة أوسع من ذلك بكثير. إنها تظهر في الطريقة التي يُبنى بها المجتمع، في المدرسة التي ترى في التلميذ إنسانًا قبل أن تراه علامة، وفي المستشفى الذي يرى في المريض إنسانًا قبل أن يراه ملفًا طبيًا، وفي المحكمة التي ترى في المتهم إنسانًا قبل أن ترى الجريمة، وفي المؤسسة التي ترى في الموظف إنسانًا قبل أن تراه رقمًا في كشف الرواتب؛ وحين يغيب هذا المنظور، تبدأ المؤسسات، من حيث لا تشعر، في تحويل الإنسان إلى وظيفة، والوظيفة إلى رقم، والرقم إلى تكلفة، وحينها لا ينهار الاقتصاد فقط، بل ينهار شيء أعمق، ينهار معنى الإنسان.
حين تختلط الوسيلة بالغاية
غير أن أخطر ما يمكن أن يصيب الكرامة ليس أن تُنكرها القوانين، بل أن يخطئ الإنسان في مصدرها. فعبر التاريخ، لم يتوقف الإنسان عن البحث عن كرامته خارج نفسه، مرة في المال، ومرة في السلطة، ومرة في الشهرة، ومرة في القبيلة، ومرة في الحزب، ومرة في القوة والسلاح؛ وكان يظن، في كل مرة، أنه وجد ما يحفظ كرامته، بينما كان، من حيث لا يدري، يسلمها لذلك الشيء. فالذي يربط كرامته بماله، يصبح أسيرًا لماله؛ والذي يربطها بمنصبه، يعيش خائفًا من فقدان منصبه؛ والذي يربطها بتصفيق الناس، يموت كلما سكتوا؛ والذي يربطها بالقوة والسلاح، يظل يشعر أنه يحتاج إلى قوة أكبر كي يبقي على كرامته.
وهنا يكمن الوهم، فالقوة قد تحمي الإنسان، وقد تكون، في ظروف استثنائية، ضرورة للدفاع عن النفس أو عن الوطن، لكنها لا تستطيع أن تكون مصدرًا لكرامته؛ لأن الكرامة التي تحتاج إلى قوة كي تثبت وجودها، تصبح رهينة تلك القوة، وحين يختلط مصدر الكرامة بوسائل حمايتها، ينقلب ترتيب القيم؛ فلا يعود السلاح وسيلة لحماية الإنسان، بل يصبح الإنسان وسيلة لحماية السلاح؛ ولا تعود القوة في خدمة الكرامة، بل تصبح الكرامة في خدمة القوة.
ومن هنا تبدأ المأساة؛ لأن كل ما خُلق ليكون في خدمة الإنسان، إذا أصبح الإنسان في خدمته، يفقد معناه الأخلاقي.
فالكرامة لا تُولد من فوهة بندقية، ولا من نفوذ، ولا من سلطة، ولا من ثروة، إنها تولد مع الإنسان نفسه. ولهذا، فإن الإنسان الذي يجعل كرامته معلقة بما يحمل في يده، يكون قد وضعها، من حيث لا يشعر، على طاولة الخوف والمساومة.
أما الإنسان الذي يعرف أن كرامته تنبع من إنسانيته، فإنه قد يحمل السلاح دفاعًا عن حق، لكنه لا يسمح يومًا أن يصبح السلاح تعريفًا له.
ولعل التاريخ القريب يقدم شاهدًا مؤلمًا على ذلك، فأخطر الأوهام أن يُقال للإنسان إن السلاح يحفظ كرامته، بينما تكون النتيجة، بعد سنوات، قرىً مهدمة، وبيوتًا خالية، وعائلات ممزقة، وأرضًا هُجّر أهلها منها، وأطفالًا كبروا بين الخوف والنزوح، وشبابًا حملوا حقائب الهجرة بدل أن يحملوا أحلامهم. فأي كرامة تبقى، إذا صار الإنسان غريبًا في وطنه، أو لاجئًا خارجه، أو أسيرًا للخوف في بيته؟ وأي كرامة تُصان، إذا أصبح ثمنها دمًا لا ينتهي، واقتصادًا منهارًا، ومستقبلًا يُسرق من أجيال لم تختر هذه الحروب أصلًا؟
إن الكرامة لا تُقاس بعدد البنادق التي بقيت، بل بعدد البشر الذين بقوا في بيوتهم؛ ولا تُقاس بحجم القوة، ولا باستعراضها، ولا بعلوّ الصوت، بل بقدرة الإنسان على أن يعيش آمنًا، حرًا، كريمًا، في أرضه وبين أهله.
فإذا كان السلاح قد أصبح سببًا في الخوف، والدمار، والنزوح، وفقدان الأمان، وتعطيل الدولة، وشلّ المؤسسات، وانهيار الاقتصاد، فلا يمكن الادعاء أنه حمى الكرامة؛ لأنه هدم، واحدًا تلو الآخر، كل الشروط التي تجعل الحياة الكريمة ممكنة.
والأخطر من كل ذلك، أن الأجيال الجديدة تنشأ وهي تظن أن الكرامة لا تُصان إلا بالقوة، فتورّث الخوف لأبنائها على أنه شجاعة، وتورّث السلاح على أنه هوية، بينما تُنسى الحقيقة الأولى: أن الإنسان وُلد كريمًا قبل أن يحمل أي شيء في يده.
الكرامة لا تحتاج إلى أن يخافها الآخرون، بل إلى أن يعترفوا بها. أما السلاح، فوظيفته أن يفرض الخوف، لا أن يصنع الاحترام.
ولهذا، فإن المجتمع الذي يجعل السلاح مرجع كرامته، لا يلبث أن يجعل القوة مرجع الحقيقة، وعندها يتراجع الحوار، ويضعف القانون، وتفقد المؤسسات هيبتها، ويصبح الحق مرتبطًا بمن يملك القوة، لا بمن يملك الحقيقة.
وفي هذه اللحظة، لا يعود السلاح يحمي الكرامة، بل يعيد تعريفها، فلا تصبح الكرامة قيمة متأصلة في الإنسان، بل امتيازًا تمنحه القوة.
وهنا تبلغ المأساة ذروتها، فالكرامة التي لا تستطيع أن تقف إلا خلف بندقية، ليست كرامة، بل خوفًا يرتدي ثوب الكرامة.
وفي اللحظة التي يصبح فيها بقاء السلاح أهم من بقاء الإنسان، تكون الكرامة قد غادرت المشهد كله؛ فكل سلاح يطلب من الإنسان أن يبرر وجوده، يكون قد نسي أن الإنسان هو الغاية، وأن السلاح ليس إلا وسيلة. وهذه ليست حماية للكرامة، إنها أخطر أشكال التخلي عنها.
الحضارة لأجل الإنسان
إن المقياس الحقيقي لأي حضارة، ليس عدد الجسور التي بنتها، ولا ارتفاع أبراجها، ولا قوة اقتصادها؛ بل السؤال الأبسط والأصعب: هل تساعد الإنسان على أن يعيش وفق الكرامة التي يحملها، أم تدفعه، كل يوم، إلى التنازل عن شيء من إنسانيته كي يستمر؟
إن الحضارة التي تتقدم فيها التكنولوجيا، ويتراجع فيها الإنسان، ليست حضارة مكتملة، والاقتصاد الذي يكبر بينما يصغر الإنسان، ليس نجاحًا كاملًا، والسياسة التي تنتصر فيها السلطة على الإنسان، ليست سياسة تستحق أن تدوم، فالإنسان ليس وسيلة لنجاح الحضارة. الحضارة هي الوسيلة، أما الغاية، فهي الإنسان. وهنا، دون أن يشعروا، يلتقي كانط وشارل مالك وفرانكل عند نقطة واحدة؛ كل واحد منهم يقول بلغته: لا تجعلوا الإنسان وسيلة لشيء، مهما بدا هذا الشيء عظيمًا.
أزمة النظرة
وحين نصل إلى هذه النقطة، ندرك أن المشكلة لم تكن يومًا في نقص النظريات عن الإنسان، لقد كتب الفلاسفة كثيرًا، ووضعت الأمم القوانين، وأعلنت الشعوب الحقوق، ومع ذلك، لم تُحل المشكلة. لكن سؤالًا ظل معلقًا عبر القرون: كيف ننظر إلى الإنسان؟
فقد نكتب أجمل الدساتير، ثم ننظر إلى الإنسان على أنه رقم؛ وقد نبني أقوى الاقتصادات، ثم نختزل الإنسان في إنتاجيته؛ وقد نرفع شعارات الحرية، ثم لا نرى في المختلف عنا سوى خصم يجب إقصاؤه. ولذلك، فإن أزمة الإنسان لم تكن يومًا أزمة أفكار فقط. كانت، قبل كل شيء، أزمة نظرة.
رآه إنسانًا
غير أن التاريخ عرف أيضًا صوتًا لم يكتفِ بشرح هذه الفكرة، بل عاشها؛ لا يقدم يسوع تعريفًا جديدًا للكرامة، ولا يدخل في مناظرة فلسفية؛ إنه يفعل شيئًا أكثر بساطة، وأكثر ثورية، إنه ينظر. ينظر إلى الإنسان بطريقة لم يعتدها العالم؛ كان المجتمع يرى الخاطئ، فيرى هو إنسانًا؛ ويرى المجتمع المريض، فيرى هو إنسانًا؛ ويرى المجتمع العشار الذي رفضه الجميع، فيرى هو إنسانًا. لم يبدأ من خطيئة الإنسان، ولا من ضعفه، ولا من فشله، بدأ من إنسانيته.
وكأن الرسالة كلها تختصر في فكرة واحدة: إذا أخطأت في رؤية الإنسان، فسوف تخطئ في كل ما يأتي بعد ذلك.
ولذلك لم يكن احترامه للإنسان مكافأة على صلاحه، بل كان البداية؛ كان يرى في كل إنسان ما يستطيع أن يصير إليه، لا فقط ما هو عليه في تلك اللحظة، وهذا ما جعل كثيرين يخرجون من لقائه أشخاصًا آخرين، ليس لأنهم سمعوا تعليمًا جديدًا، بل لأنهم شعروا، للمرة الأولى، أن أحدًا رآهم بعمق لم يره أحد قبل ذلك. فالإنسان يتغير حين يكتشف أنه أكبر من أخطائه، وأكبر من ضعفه، وأكبر من الصورة التي رسمها الآخرون له؛ إنه لا ينهض لأن أحدًا أقنعه أنه بلا أخطاء، بل لأنه تذكر أن أخطاءه ليست تعريفه.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للكرامة، ليست أن يقول العالم للإنسان إنه عظيم، بل أن يرفض العالم أن يختزل الإنسان في أي شيء أقل من إنسانيته. فالكرامة لا تقول إن الإنسان كامل، ولا تقول إنه لا يخطئ، ولا تقول إنه فوق النقد، إنها تقول شيئًا أكثر تواضعًا، وأكثر عظمة؛ تقول إن الإنسان، حتى في ضعفه، يبقى إنسانًا، وحتى في سقوطه، لا يفقد ما يجعله إنسانًا، وحتى في فقره، أو مرضه، أو شيخوخته، أو عجزه، لا يصبح أقل استحقاقًا للاحترام؛ فالكرامة ليست جائزة للفضيلة، إنها نقطة البداية التي تجعل الفضيلة ممكنة.
ليس كم أنجزنا...
إن السؤال الذي سيحاكم به المستقبل حضارتنا لن يكون: كم انجزنا؟ -على أهمية الإنجاز نفسه- بل: ماذا فعلت كل هذه الانجازات بالإنسان؟ ليست الحضارة هي التي تشيد الطرق والجسور فقط، بل التي ترفض أن تجعل الإنسان وسيلة لنجاحها؛ وليست الحضارة هي التي تحقق النمو الاقتصادي فقط، بل التي ترفض أن تدفع الإنسان إلى التضحية بضميره كي يعيش؛ وليست الحضارة هي التي تتقدم في العلم فقط، بل التي تجعل العلم في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة العلم.
لهذا، فإن الكرامة ليست قيمة من بين القيم، إنها الأرض التي تقف عليها جميع القيم الأخرى؛ فالحرية بلا كرامة انسانية قد تتحول إلى فوضى؛ والعدالة بلا كرامة قد تتحول إلى انتقام؛ والقانون بلا كرامة قد يتحول إلى أداة قمع؛ والمعرفة بلا كرامة انسانية قد تتحول إلى استعلاء؛ وحتى المحبة، إذا نسيت كرامة الإنسان، قد تتحول إلى شفقة تُضعف أكثر مما ترفع.
إن الكرامة الانسانية ليست قمة البناء الأخلاقي، إنها أساسه؛ وكل قيمة لا تبدأ من كرامة الإنسان، تنتهي، بطريقة أو بأخرى، إلى استخدام الإنسان بدل خدمته.
البداية
وأحسب أن الإنسان لا يحتاج، في نهاية المطاف، إلى أن يكتشف كرامته، فهو لم يفقدها يومًا؛ ما يحتاج إلى اكتشافه هو نفسه، أن يتذكر أنه أكبر من نجاحه وفشله، وأكبر من قوته وضعفه، وأكبر من تصفيق الناس وصمتهم، وأكبر من كل تعريف حاول العالم أن يحصره فيه؛ فالإنسان ليس مهنته، ولا ثروته، ولا جنسيته، ولا دينه، ولا ماضيه، ولا حتى أكثر لحظاته ظلمة.
الإنسان، أوسع من كل تعريف حاول العالم أن يحصره فيه.
ولعل العودة إلى الإنسانية، التي نسعى إليها في هذه السلسلة، هي أن نتعلم من جديد كيف ننظر إلى الإنسان؛ أن نراه قبل أن نحكم عليه، وقبل أن نصنفه، وقبل أن نستعمله، وقبل أن نختلف معه، وقبل أن نسأله ماذا يملك، أو ماذا أنجز، أو إلى أي جماعة ينتمي. أن نراه إنسانًا أولًا؛ هذه العودة هي عودة الى عالم يدرك أن قيمة الإنسان لا تبدأ بما يملك...ولا تنتهي بما يفقد؛ إنها تبدأ، وتنتهي، بحقيقة واحدة، أن الإنسان...إنسان؛ وربما، إذا كان لهذه السلسلة، أن تختصر رسالتها في جملة واحدة، فلن تكون: "احفظ كرامة الإنسان، بل ستكون: "تذكّرها"؛ لأن الكرامة لم تغادر الإنسان يومًا، الذي غادرها، في كثير من الأحيان، هو الإنسان نفسه.
فإذا نجحنا في ذلك، لن نكون قد دافعنا عن الكرامة فحسب، بل سنكون قد وضعنا الحجر الأول في بناء إنسان يعرف أن كرامته ليست هدية من أحد، ولا امتيازًا تمنحه الظروف، بل حقيقة يحملها في أعماقه، ومسؤولية يعيشها كل يوم.
فالكرامة ليست إنجازًا حققه الإنسان، ولا صفة اكتسبها مع الزمن، بل حقيقة أودعها الله في كيانه منذ البدء. إنها ليست إضافة إلى إنسانيته، بل من صميمها، لأنه خُلق على صورة الله ومثاله. وما أودعه الله في أصل الخلق، لا يملك إنسان، ولا مجتمع، ولا دولة، ولا قوة في الأرض أن تنتزعه.
ولهذا، فإن الإنسان لا يبدأ رحلته نحو الإنسانية يوم يكتسب كرامته، بل يوم يكتشف أنه لم يفقدها يومًا،
وعندها فقط، تبدأ الرحلة الحقيقية نحو الإنسانية.