تُشكل ظاهرة "الجماعات المسلحة غير الحكومية" أحد أعقد الشروخ البنيوية في جدار النظام الدولي القائم منذ "صلح وستفاليا" سنة 1648، على سيادة الدولة الوطنية واحتكارها لوسائل العنف الشرعي. وفي قلب هذا التحدي، لم يعد مفهوم "المقاومة" حكراً على التعريفات القانونية الكلاسيكية المرتبطة بالتحرر الوطني؛ بل جرى توظيفه، عقب نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، داخل قالب أيديولوجي ديني عابر للحدود، يطرح إشكالية حادة حول مفهوم الدولة والسيادة.
الوضع اللبناني، يضع هذا التناقض تحت مجهر التشريح؛ حيث يتبدى شرخ بنيوي عميق بين مفهومين: "المقاومة" كأداة قانونية دفاعية، مؤقتة ومحصورة بحدود الدولة وفقاً للشرعية الدولية، ومفهوم "المقاومة الإسلامية" في الفقه السياسي للإمام روح الله الخميني، الذي يرى فيها ذراعاً هيكلياً دائم التمدد، غايته تقويض "الوضع الدولي القائم" لصالح مشروع أممي تحت مظلة "ولاية الفقيه".
يتأسس المنظور القانوني الدولي للمقاومة على ثنائية: الحق في تقرير المصير، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين. فالقانون الدولي لا يشرع العنف كأصل، بل يضبطه كاستثناء تقره المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على "الحق الأصيل في الدفاع عن النفس، الفردي أو الجماعي، إذا اعتدت قوة مسلحة على عضو في الأمم المتحدة"، وهو حق مشروط بصد عدوان مباشر، وينتهي فور اتخاذ مجلس الأمن التدابير اللازمة.
بموازاة ذلك، تفرض اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 شروطاً صارمة لاعتبار المقاومين "محاربين شرعيين"، أبرزها: وجود قيادة مسؤولة، التمييز البصري عن المدنيين، حمل السلاح علناً، والالتزام بقوانين الحرب. وبناءً على ذلك، تتسم المقاومة دولياً بثلاث سمات:
- الارتباط بالجغرافيا: ترتبط بوجود احتلال مادي ملموس للأرض، لا بمواجهة أفكار أو نفوذ سياسي.
- الاستثناء المؤقت: هي حالة طارئة تنتهي حتماً بزوال الاحتلال، لتؤول الصلاحيات العسكرية حصراً للدولة.
- الالتزام بحقوق الإنسان: لا يجوز للمقاومة إنتاج أجهزة قضائية أو أمنية موازية تصادر حريات المواطنين خارج إطار الدولة.
في المقلب الآخر، يقدم الفكر السياسي للإمام الخميني رؤية انقلابية على المنظومة الدولية، مستبدلاً إياها بمرجعية فقهية غيبية. وتعد نظرية "ولاية الفقيه المطلقة" الحجر الأساس في هذا الفكر؛ إذ يرى الخميني أن الفقيه الجامع للشروط يمتلك الصلاحيات السياسية والتنفيذية ذاتها للنبي والإمام المعصوم، وأن صلاحياته عابرة للحدود الجغرافية التي يُنظر إليها كإفراز لمؤامرات "الاستكبار الاستعماري".
بناءً على ذلك، يسقط الولاء للدولة الوطنية لصالح الولاء العقائدي للولي الفقيه، وتتحول المقاومة من صيغتها المؤقتة إلى حالة مواجهة دائمة، وهو ما صاغه الخميني بقوله: "إننا نهدف إلى رفع راية لا إله إلا الله فوق قمم المعمورة، ومواجهة المستكبرين في كل مكان". هنا، تصبح المقاومة أداة أيديولوجية لـ"تصدير الثورة" وتغيير المعادلات الداخلية للدول، وتتحول فصائلها إلى أذرع تنفيذية للحرس الثوري الإيراني تحت شعار "وحدة الساحات".
تُقدم تجربة "حزب الله" في لبنان نموذجاً حياً للتدافع بين المفهومين الدولي والخميني، عبر مسارين:
1. مرحلة التحرير (1982-2000)
تحرك حزب الله في بداياته تحت غطاء مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ما وفّر له مساحة تقاطع مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة كحركة تحرر وطني. واستفاد الحزب من مناخات سياسية إقليمية (الحاجة الأميركية للحياد الإيراني في حرب الخليج الأولى، والدعم السوري المباشر)، وصولاً إلى الاحتضان الرسمي اللبناني بعد تفاهم نيسان 1996، مما منح التنظيم غطاءً شرعياً مستنداً إلى الحق الطبيعي للشعوب في طرد المحتل.
2. ما بعد عام 2000 ومأزق "السيادة الناقصة"
عقب الانسحاب الإسرائيلي وتأكيد الأمم المتحدة للخط الأزرق كخط انسحاب كامل، واجه الحزب الاستحقاق القانوني المتمثل في انتهاء الحالة الاستثنائية للمقاومة. ورغم إبراز ملف مزارع شبعا بوصفه مسوّغًا لاستمرار الاحتفاظ بالسلاح، فإن الأيديولوجيا الخمينية تجاوزت الحدود القانونية لسيادة الدولة، وتجلى ذلك في عدد من المظاهر الأساسية:
- البنية الموازية فائقة السيادة (Hyper-Sovereignty): أنشأ الحزب بنية موازية للدولة تمتلك شبكة اتصالات مستقلة، ومربعات أمنية مغلقة، أنفاقا وبنى عسكرية متطورة ومنظومة مالية تعمل خارج رقابة مصرف لبنان، بما أوجد مؤسسات تؤدي وظائف سيادية خارج إطار الدولة، في تعارض مع مبدأ احتكارها للسلطات السيادية.
- السلاح لحماية السلاح: شكّلت أحداث أيار 2008 محطة مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، إذ كرّست استخدام القوة المسلحة في الداخل لفرض معادلات سياسية جديدة. وقد عدّت هذه الأحداث تجسيدًا لاستخدام القوة المسلحة لإرغام مؤسسات الدولة والخصوم السياسيين على القبول بوقائع جديدة، بما يقوّض احتكار الدولة المشروع للسلاح.
- مصادرة قرار السلم والحرب: أدى التفويض العقائدي المستند إلى مبدأ ولاية الفقيه إلى انفراد الحزب باتخاذ قرارات عسكرية واستراتيجية كبرى، من أبرزها حرب تموز 2006 والانخراط في حروب اسناد غزة وإيران منذ عام 2023، من دون تفويض أو قرار صادر عن الحكومة اللبنانية، بما يتعارض مع المبدأ الدستوري القاضي بأن الدولة وحدها هي صاحبة القرار في شؤون السلم والحرب والممثل الحصري للإرادة الوطنية.
- التمدد الإقليمي : شكّل انخراط حزب الله عسكريًا في النزاعات في سوريا، ثم في العراق واليمن، التعبير الأوضح عن عقيدة تصدير الثورة كما صاغها الفكر الخميني. فلم يعد نشاطه العسكري محصورًا بالدفاع عن الأراضي اللبنانية، بل أصبح جزءًا من منظومة إقليمية عابرة للحدود تعمل ضمن ما يُعرف بمحور الممانعة، انطلاقًا من الالتزام العقائدي بمبدأ ولاية الفقيه، وهو ما يثير إشكاليات قانونية وسياسية تتصل بمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما هو مقرر في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
إن مصطلح "المقاومة" في الحالة المرتبطة بالفكر الأيديولوجي الخميني قد جرى تفريغه من معانيه القانونية الدولية المرتبطة بالتحرر الجغرافي، وتحويله إلى "أيديولوجيا تبريرية" تهدف إلى شرعنة واستدامة كينونة عسكرية وأمنية موازية للدولة الوطنية.
إن التمسك بنموذج المقاومة العقائدية الدائمة العابرة للحدود يُدخل الدولة في مأزق "الفشل البنيوي"؛ حيث يتبدد مفهوم السيادة وتتآكل سلطة القانون عندما تنقسم السلطة بين حكومة رسمية تمتلك الشرعية الدولية والدستورية، وميليشيا مسلحة غير حكومية تمتلك القوة العسكرية الفائقة والولاء العقائدي العابر للحدود.
الديمقراطية والسيادة لا تحتملان شريكاً بسلاحين ومرجعيتين، وإلا تحولت الدولة إلى مجرد غطاء دبلوماسي لواقع تديره "الولاية".