أطلقت "مؤسسة أمين الريحاني" في الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع "متحف أمين الريحاني" في الفريكة، برنامجًا ثقافيًّا وأكاديميًّا واسعًا بمناسبة الذكرى المئة والخمسين لميلاد الأديب والمفكر اللبناني الأميركي أمين الريحاني. وتهدف الفعاليات، التي تنطلق اليوم وتستمر حتى كانون الثاني 2027، إلى إعادة تسليط الضوء على الإرث الفكري والأدبي للريحاني ومكانته العالمية، وتعريف الأجيال الجديدة بأحد أبرز رواد النهضة العربية الحديثة.
ينطلق البرنامج من هدفين رئيسيين، يقول عضو "المجلس الاستشاري" لـ "مؤسسة أمين الريحاني" في واشنطن العاصمة سرمد الريحاني، "يتمثل أولهما في إبراز صورة أمين الريحاني وإرثه، بوصفه أحد أبرز رواد النهضة المعاصرة في لبنان والمشرق العربي، فيما يتمثل الثاني في إعادة التعريف بالأبعاد الدولية التي بلغتها تجربته الفكرية والأدبية، والدور الذي أداه بوصفه كاتبًا ومحاضرًا ومفكرًا على عدد من أبرز المنابر العالمية في مطلع القرن العشرين".

إعادة قراءة
ولا تقتصر الذكرى على استعادة سيرة شخصية ثقافية بارزة، بحسب حديث سرمد الريحاني لـ "نداء الوطن"، بل تشكل مناسبة لإعادة قراءة المشروع الفكري والإنساني لأمين الريحاني في ضوء المتغيرات التي يشهدها العالم اليوم. ويشير إلى أن "الريحاني كان من أوائل المفكرين العرب الذين سعوا إلى بناء جسور التواصل بين الشرق والغرب، وإلى ترسيخ قيم الحوار والانفتاح والتفاهم بين الشعوب، وهي قضايا ما زالت تحتفظ بأهميتها في العصر الراهن".
ويوضح أن "البرنامج يتضمن مجموعة من المؤتمرات العلمية والأكاديمية التي تتناول فكر الريحاني وإنتاجه الأدبي، إلى جانب مشاريع نشر وترجمة تهدف إلى توسيع دائرة الاهتمام بأعماله وتعزيز حضورها في الأوساط الثقافية العالمية". وستتيح هذه الخطوات للباحثين والقراء الاطلاع على جوانب جديدة من نتاج الكاتب والمفكر أمين الريحاني، كما ستسهم في إيصال أفكاره إلى جمهور أوسع خارج العالم العربي، بما يعزز حضوره في الدراسات الأدبية والفكرية المعاصرة.
وتشكل فئة الشباب إحدى الركائز الأساسية للبرنامج. من هنا، ستعقد معظم المؤتمرات والندوات داخل الجامعات بهدف بناء علاقة مباشرة بين الطلاب وفكر الريحاني، "وكأن أمين الريحاني يزور هذه الجامعات بنفسه، ليتواصل مباشرة مع الأساتذة والطلاب"، على ما يقول سرمد الريحاني، الذي يشير أيضًا إلى أن "المنظمين سيعملون على تشجيع الطلاب على المشاركة في النقاشات والحوارات التي سترافق هذه الفعاليات، بما يضمن تفاعلا حقيقيًّا مع الأفكار المطروحة، ويحوِّل المناسبة من مجرد احتفال تذكاري إلى مساحة حوار أكاديمي وثقافي مفتوح".
مشاركة دولية
أما في ما يتعلق بالمحاور التي ستركّز عليها الاحتفالات، فيقول الريحاني إن "الاهتمام سينصب على ثلاثة عناصر رئيسية، هي: المخطوطات الإنكليزية غير المنشورة، والترجمات الجديدة لأعماله، والأبحاث الأكاديمية التي تسهم في فهم أعمق للإرث الفكري والأدبي لأمين الريحاني واستيعاب أبعاده الدولية المعاصرة"، معتبرًا أنّ "هذه المَحاور تشكّل مدخلا أساسيًّا لإعادة اكتشاف الريحاني، ليس فقط بوصفه أديبًا أو رحالة أو مفكرًا، بل أيضًا بوصفه شخصية لعبت دورًا مؤثرًا في الحوار الثقافي بين الحضارات، وقدّمت رؤية إنسانية تجاوزت حدود الجغرافيا والانتماءات الضيقة".
أمام هذا التوصيف لما قدّمه أمين الريحاني، نسأل سرمد الريحاني عن المشاركة الدولية في فعاليات الذكرى، فيجيب أنّ "الحضور الخارجي سيتبدى من خلال مشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين الدوليين في المؤتمرات الجامعية التي ستقام في لبنان، وكذلك عبر مبادرات ثقافية وأدبية في الولايات المتحدة الأميركية تتناول أعمال الريحاني باللغة الإنكليزية".
وسيكون "متحف أمين الريحاني" في الفريكة شريكًا أساسيًّا في تنفيذ برنامج إحياء الذكرى. والدور المنوط به، بحسب ما يقول سرمد الريحاني، هو "التواصل مع الجامعات والمؤسسات الثقافية والأندية الفكرية، إلى جانب المساهمة في مناقشة موضوعات الأبحاث والدراسات المرتبطة بالريحاني كلّما دعت الحاجة إلى ذلك". من جهة أخرى، يكتسي إشراك الجمهور في مختلف النشاطات أهمية كبرى. وفي هذا الإطار، يؤكد سرمد الريحاني أن "البرنامج لا يستهدف الباحثين والأكاديميين فقط، بل يفتح المجال أمام الطلاب والمهتمين بالشأن الثقافي للمشاركة الفاعلة في الندوات والنقاشات وورش العمل المرتبطة بالمناسبة. ففي كل فعالية، تؤدي ثلاث فئات أدوارها: فئة المشاركين في الأبحاث من الباحثين، وفئة المشاركين في المناقشات من الطلاب والجمهور، وفئة المنظمين التي تضم أيضًا طلابًا ومهتمين بالشأن الثقافي"، معتبرًا أن نجاح البرنامج يرتبط بمدى قدرة هذه الفئات على التفاعل مع أفكار أمين الريحاني وإرثه.
ويختم عضو "المجلس الاستشاري" لـ "مؤسسة أمين الريحاني" في واشنطن العاصمة سرمد الريحاني كلامه لـ "نداء الوطن" بالتأكيد أنّ الرسالة التي ما زال أمين الريحاني يوجهها إلى العالم، بعد 150 عامًا على ميلاده، هي تلك التي عبّر عنها في روايته الفلسفية "كتاب خالد"، والهادفة إلى استيعاب العالم بالروح الكونية عن طريق المزيد من الحب، أي الإخاء الإنساني، والمزيد من نور العقل الكشاف، والمزيد من إرادة الصمود والترقي. فهذه القيم، يرى سرمد الريحاني، ما زالت قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر رغم مرور عقود طويلة على رحيل أمين الريحاني، لأنها تستند إلى رؤية إنسانية جامعة تقوم على العقل والانفتاح والتضامن بين الشعوب.

من برنامج الذكرى فعاليات عدة يتضمنها برنامج الاحتفال بالذكرى المئة والخمسين لميلاد أمين الريحاني، منها: عرض مصوّر لقصيدة "أنا الشرق" في آب 2026، وإزاحة الستار عن تمثال جديد للريحاني في حديقة متحفه في الفريكة في أيلول المقبل، ومؤتمر أكاديمي في "جامعة سيدة اللويزة"، وأنشطة في "جامعة الروح القدس – الكسليك" تزامنًا مع ذكرى ميلاده في 24 تشرين الثاني، وندوة حول الترجمة الفرنسية لكتاب "قلب لبنان"، ولقاءات أدبية ضمن "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، ومنتدى فكريّ في "الجامعة الأميركية في بيروت"، ومؤتمر أدبي تنظمه "الحركة الثقافية" في أنطلياس. كذلك يتضمّن البرنامج إصدار مخطوطات إنكليزية للريحاني غير منشورة سابقًا، على أن يكون كتاب "في بلاد الماياس" أول هذه الإصدارات بالتزامن مع صدور ترجمته الإسبانية. وتختتم الاحتفالات في كانون الثاني 2027 بإصدار كتاب توثيقي خاص بالمناسبة. |