بعد نصف قرن، تبقى الذكرى مناسبة لاستعادة تضحيات الذين قاتلوا واستشهدوا. بعد نصف قرن من الدماء والآلام، يحق للبنانيين أن يحلموا بوطن لا تتكرر فيه المآسي، ولا يسقط كل عقد في امتحان جديد، بل ينهض على أسس ثابتة تضمن الأمن والحريّة والكرامة لجميع أبنائه.
فجر الخامس من تموز 1976 كنت نائمًا في العراء على سطح منزلنا في عبدين. استيقظت باكرًا على هدير يلفّ المنطقة وسحب دخان كثيفة تغطي الساحل. إنه الهجوم الكبير على شكا يشنّه الفلسطينيون واليساريون بالاشتراك مع "جيش لبنان العربي" بقيادة أحمد الخطيب. وتجدر الإشارة إلى أن النائب طوني فرنجية كان قد أبلغ المسؤولين في حزب "الكتائب" معلومات تكشف نية العدو القيام بهجوم على شكا. فتم الاستنفار يومي السبت والأحد في 3 و4 تموز، وحين لم تظهر بوادر الهجوم غُلِّق الاستنفار مساء الأحد، فانتهز العدو الفرصة ونفذ هجومه فجر الاثنين.
نصّت برقيات الإشارة المركزية يوم الاثنين 5 تموز على ما يأتي:
الساعة 1,20 ليلا: "هجوم على الكحالة من قبل العدو. الحالة صمود".
الساعة 2,45: "تسلل على عاريا والكحالة، وضعنا جيد".
الساعة 3,00: "الحالة في الكحالة جيدة، وضعنا ممتاز. خسائر الدروز في قلب عاريا تفوق العشرة قتلى. استولينا على ذخيرة وجهاز وخمس بنادق كلاش". الساعة 3,45 فجرًا: "سعدون، جريح، بليبل، جريمان".
وفي الساعة السادسة والدقيقة الخمسين وصلت برقية من شكا تقول: "الوضع العسكري سيئ. نطلب إرسال نجدة بسرعة وخصوصًا من جبيل". هكذا بدأت معركة شكا.
تم الاتصال سريعًا بمراكز كسروان وجبيل والبترون لتحضير المقاتلين وإرسالهم إلى شكا، فكان الجواب عند الثامنة صباحًا: "إن كسروان تستطيع إرسال 8 عناصر وجبيل 21 عنصرًا". في وقت وصل المهاجمون إلى مركز "الدون كارلوس" مدخل شكا لجهة أنفه.
وفي الساعة الثامنة والنصف وصلت من شكا البرقية التالية: "العدو أصبح على أبواب الشركة، الأوامر أُعطيت لعامل الإشارة بحرق الشيفرة".
وجرى استنفار عام وقرعت الأجراس في مناطق كسروان وجبيل والبترون. وعند الساعة العاشرة وصل العدو إلى مسافة 400 متر من القيادة في شكا. ووصلت هذه المرة البرقية التالية: "عامل الإشارة ينتظر أن يقتربوا ليفجر المركز، لم يعد معنا ذخيرة".
وعند العاشرة والنصف تلقى موقع عين عكرين برقية من بيروت تطلب الاتصال بالدكتور سمير جعجع لاستنفار جميع الشبان الذين يحملون السلاح وتحضيرهم للمساهمة في الدفاع عن المنطقة بالاشتراك مع "القوات اللبنانية". في هذا الوقت وصل العدو إلى مسافة 50 مترًا من القيادة بعدما أسقط كل الخطوط الأمامية، وأقفل شكا عند رأس الشقعة بكمين مسلح حصد عشرات القتلى كانوا يعبرون في اتجاه البترون، أحرقوهم كبارًا وصغارًا في سياراتهم.
الهجوم المضاد والتحرير
الساعة 11,15 تلقت قيادة الشمال برقية من بيت الكتائب المركزي من فؤاد روكز تفيد: "ستحصل عملية عسكرية والشيخ أمين سيتوجه إلى هناك على رأس قوة للقيام بعملية مشتركة هدفها تطويق القوات المعادية وفك الطوق عن شكا. ستقوم بشري وزغرتا أيضًا باللازم".
كنت قد أصبحت في عين عكرين عندما وصل الشيخ أمين في "رانج روفر" أبيض ثم توجهت إلى مربض مدفعي من عيار 160 ملم وساعدت الشبان في الرمي على العدو في شكا.
ولحظة وصول الشيخ أمين انعقد اجتماع ضمّه وزغرتا وبشري والمسؤولين الكتائبيين في المنطقة وكان الرأي موحدًا: إنه لا يمكن الدفاع عن هذه البلدة إلا بهجوم معاكس على الكورة بكاملها وقطع الطريق على المهاجمين وقد تم توزيع المهام على الوجه التالي:
* "الكتائب" مع عائلات بشري تتولى أمر العمليات على محور بصرما – أميون – القويطع – شكا.
* "المردة" الزغرتاويون يتولون أمر العمليات على المحور الممتد من بصرما نزولا حتى البحر مرورًا بطرام وظهر العين.
كل ما أذكره أنني وقفت يومها مع حوالي 200 مقاتل في حقل قريب من مفرق عين عكرين – رشدبين ننتظر أوامر الانطلاق وخطب فينا الكولونيل كيروز وغيره شارحين لنا ما يجري في شكا من فظائع تمثلت في قتل النساء والأطفال… فحبست دمعة في عيني.
كنت يومها في الثامنة عشرة من عمري وأحسست أنني أستطيع مهاجمة جيش بكامله حتى ولو كنت أعزل من السلاح. يومها أيضًا لم تكن المقاومة المسيحية منظمة في مؤسسة واحدة بل كانت موزعة بين الأحزاب والتنظيمات وعائلات بشري وزغرتا، أي أن لكل فريق تنظيمه الخاص. ولم أكن بعد قد انتسبت إلى حزب، فالتحقت بلواء "قاديشا" التابع لعائلة رحمة في بشري، بقيادة شبل عيسى الخوري، وقد حاول والده ثنيه عن الاشتراك في المعركة لأنه وحيد أبويه وكذلك فعل الشيخ يوسف الظاهر.
بدأ توزيع السلاح. البندقية التي تسلمتها كانت "فرنساوية" تتسع لثلاث رصاصات فقط ويعاد تلقيمها بعد كل طلقة. وقد أطلقنا عليها ضاحكين اسم "وقّف تقلّك" في وقت كان العدو يواجهنا بسلاح كلاشنكوف أوتوماتيكي، 30 طلقة، ودبابات وغيرها.
حملت البندقية وعبأت جيوبي بالرصاص وحملت في صدري إيمانًا يزعزع الجبال وتوجهنا بسيارات مدنية وأخرى عسكرية إلى خان بزيزا . هناك رافقت للمرة الأولى مراحل التحضير لعملية عسكرية. أشرف على الهجوم ضابط من طورزا اسمه لحود جرجس من موقع متقدم. الليل لم يكن مظلمًا ظهر فيه قمر بدا وكأنه يراقب ما يجري في تلك المنطقة. هدفنا كان تطهير "القلع" وهي منطقة صخرية مشرفة على أميون. توزعنا خلف حائط ننتظر ساعة الصفر منتصف الليل. هدوء شامل على الجبهة تعكره بعض الشتائم التقليدية التي اعتاد الطرفان التراشق بها.
عند ذلك الحائط عرفت للمرة الأولى ذلك الإحساس الذي يرافق المقاتل قبل الهجوم. إحساس يمتزج بالبرد والانتظار والقلق وعوامل كثيرة أخرى وعند الانطلاق ينتهي كل ذلك مفسحًا في المجال رحباً لغريزة الإنسان المسمّاة بطولةً وإقداماً. وراء ذلك الحائط خبرت أيضاً لأول مرة عدائية الإنسان الطبيعية لكل ما هو في الخط المقابل، ومرّ وقت طويل قبل أن أتعرف بمرارة كبيرة إلى ظاهرة التبديل في الخطوط التي تتحول من متحالفة إلى متصارعة وبالعكس.
يتبع...