د. بولا أبي حنا

الناتو في تركيا... قمة تبحث عن عدو أم عن هوية؟

5 دقائق للقراءة

لا يذهب قادة حلف شمال الأطلسي إلى تركيا وهم يواجهون أزمة خارجية فحسب، بل يحمل كل منهم تصورًا مختلفًا عن طبيعة التهديدات التي يفترض بالحلف مواجهتها. وللمرة الأولى منذ عقود، يبدو أن السؤال المطروح ليس كيف سيدافع الناتو عن الغرب، بل هل ما زال الغرب نفسه متفقًا على معنى هذا التحالف؟

لم يكن المشهد الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته مجرد خلاف عابر، بل أقرب إلى لحظة اعتراف نادرة بأن الأزمة الحقيقية التي تواجه الناتو لم تعد خارج حدوده بل داخله.

وتأتي قمة تركيا في لحظة استثنائية من تاريخ الحلف، إذ تنعقد وسط أكبر تباين بين أعضائه منذ نهاية الحرب الباردة، ما يجعلها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الناتو على إعادة تعريف ذاته. فالقمة لا تعالج تهديدًا خارجيًا فقط، بل تكشف حجم التباين حول مفهوم التحالف نفسه.

طوال عقود، بُني الحلف الأطلسي على فكرة وجود عدو مشترك يبرر وحدة الموقف وتوزيع الأعباء. خلال الحرب الباردة كان الاتحاد السوفياتي هو العدو المركزي، وبعد انهياره واصل الناتو البحث عن مبررات جديدة، من الإرهاب إلى روسيا ثم الصين. لكن ما يظهر اليوم هو أن المشكلة لم تعد في تحديد العدو، بل في تحديد معنى التحالف ذاته.

فترامب لم يكن غاضبًا فقط من مسألة الإنفاق الدفاعي، بل تحدث بلغة "الولاء". كان عتبه أن أوروبا لم تقف إلى جانب الولايات المتحدة بالقدر الذي توقعه في المواجهة مع إيران، ما جعله يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا لم يكن الحلفاء إلى جانب واشنطن في لحظات المواجهة، فما معنى التحالف أصلًا؟

لكن الخلاف أعمق من ذلك، إذ يمتد إلى تعريف طبيعة التهديدات. فواشنطن تميل إلى إبقاء الباب مفتوحًا أمام تسوية مع روسيا في الحرب الأوكرانية، بينما ترى غالبية العواصم الأوروبية أن روسيا هي التهديد المباشر والأولوية المطلقة. وفي المقابل، تعتبر الولايات المتحدة أن الصين هي التحدي الاستراتيجي الأهم على المدى البعيد، بينما يركز الأوروبيون على الخطر الروسي الآني. وهكذا لم يعد الخلاف حول الأدوات، بل حول ترتيب الأولويات الاستراتيجية نفسها.

في هذا السياق، يبرز دور الأمين العام مارك روته الذي يسعى إلى احتواء التباينات بين ضفتي الأطلسي. فجهوده لا تقتصر على ملف الإنفاق العسكري، بل على محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم بين الحلفاء، إدراكًا منه أن نجاح القمة لن يقاس بالبيان الختامي بل بقدرة الحلف على منع الانقسام.

لكن المشكلة الجوهرية أن الطرفين ينظران إلى الناتو من منظورين مختلفين تمامًا.

فبالنسبة إلى ترامب، الناتو عقد تبادلي: الولايات المتحدة توفر الحماية، وعلى الحلفاء زيادة الإنفاق الدفاعي وإثبات الولاء السياسي عند الحاجة. ومن هنا يأتي ضغطه لرفع الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي لكل دولة، باعتبار أن واشنطن تتحمل العبء الأكبر في حماية أوروبا.

أما الأوروبيون فيرون الناتو منظومة أمن جماعي تقوم على التضامن لا الصفقة، وتسمح بالاختلاف دون انهيار التحالف. ومع ذلك، يعترفون بأنهم ما زالوا يعتمدون بشكل كبير على القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية الأميركية، وأن بناء استقلال دفاعي أوروبي كامل ما زال غير واقعي في المدى القريب.

هذا الاختلاف في تعريف طبيعة الحلف يجعل الأزمة الحالية أكثر عمقًا من أي خلاف مالي سابق.

لقد وصف ترامب الناتو بأنه "نمر من ورق"، في إشارة إلى عجزه عن إنتاج موقف موحد في قضايا أساسية. وقد كشفت الحرب على إيران حجم التباين داخل الحلف، كما تستمر الانقسامات حول أوكرانيا وروسيا، وطبيعة إدارة الحرب ومفهوم الردع.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في طرف واحد. فالحلف ما زال يوفر مظلة ردع عسكرية لا بديل عنها، وشبكة تنسيق استخباراتي وعسكري واسعة، ويشكل حاجزًا أساسيًا أمام أي محاولة لإعادة رسم الخريطة الأمنية الأوروبية بالقوة.

لكن في المقابل، استمرار الناتو يعني أيضًا استمرار الاعتماد الأوروبي على القرار الأميركي، واحتمال انجرار الدول الأوروبية إلى صراعات لا تتماشى بالضرورة مع أولوياتها الوطنية، إضافة إلى التباين المتزايد داخل أوروبا نفسها حول حدود العلاقة مع واشنطن.

ولعل المفارقة الأهم أن السؤال الذي كان يُطرح سابقًا هو: هل يستطيع الناتو مواجهة خصومه؟

أما اليوم، فالسؤال أصبح أعمق: هل يستطيع الاتفاق على من هو خصمه أصلًا؟

فالخطر الحقيقي لم يعد فقط في موسكو أو بكين أو طهران، بل في التباعد المتزايد بين رؤية أميركية تعتبر التحالف أداة لخدمة المصالح الأميركية أولًا، ورؤية أوروبية تعتبره مظلة جماعية لا يجوز أن تخضع لتقلبات السياسة في البيت الأبيض. وبالتالي، لم يعد الخلاف على الوسائل، بل على تعريف الأولويات وطبيعة القيادة.

لهذا، فإن قمة تركيا لن تكون اجتماعًا اعتياديًا، بل محطة اختبار حقيقية. فإذا نجح الحلفاء في تضييق فجوة الثقة وإعادة ضبط الأولويات، قد يخرج الناتو أكثر تماسكًا. أما إذا استمرت التباينات، فقد تكون القمة بداية مرحلة يصبح فيها التهديد الأكبر للحلف ليس خارجيًا، بل داخليًا.

فالتحالفات لا تنهار عادةً عندما يشتد ضغط الخصوم، بل عندما يفقد أعضاؤها الاتفاق على سبب وجودها. وربما يكون هذا هو السؤال الحاسم في قمة تركيا: هل ما زال الناتو تحالفًا موحدًا له هوية واحدة، أم أنه أصبح إطارًا واسعًا لمصالح متباينة تجمعه الضرورات وتفرقه الأولويات؟

أستاذة جامعية