مايز عبيد

"عابا" الكورانية: قرية صغيرة بحجمها كبيرة بالإيمان والمحبة

4 دقائق للقراءة
كنيسة مار الياس في عابا

رغم صغر مساحتها وعدد سكانها، تحتفظ قرية "عابا" في قضاء الكورة بخصوصيتها التاريخية والريفية، حيث تتعانق الطبيعة مع الإرث الديني، وتبقى أشجار الزيتون المعمّرة شاهداً على تاريخها الممتدّ عبر القرون.


أصل التسمية

وتشير الروايات المحلية إلى أن اسم "عابا" يعود إلى كون المنطقة كانت في الماضي غابة كثيفة بالأشجار، ومنها استمدّت تسميتها. كما يُروى بحسب المختار شديد خليل، أن جذور البلدة تعود إلى عائلة الحاج التي قدِمت من حوران، قبل أن تتوسّع مع مرور الزمن لتضم اليوم نحو 14 عائلة.

واستُحدثت بلدية عابا عام 2016، فيما يتألف المجلس البلدي من تسعة أعضاء، وهي عضو في اتحاد بلديات الكورة. في عابا مختار واحد هو شديد خليل، الذي يملك في دارته أرشيفًا كاملاً أعدّه عن أهالي عابا وعائلاتها، أطلع "نداء الوطن" عليه لدى استقباله لنا.

ويبلغ عدد المقيمين في البلدة نحو 400 نسمة، مقابل نحو 1100 مغترب توزّعوا بين البرازيل والمكسيك والولايات المتحدة الأميركية وأوستراليا وعدد من الدول العربية. ويحرص هؤلاء على البقاء على تواصل دائم مع قريتهم، يساهمون في دعمها من خلال المبادرات الفردية والجماعية، إلى جانب النشاط الذي تقوم به لجنة "عابا منحبك" في تنفيذ عدد من المشاريع والخدمات.


دينيًا

تشكّل كنيسة مار الياس صرحًا دينيًا وإيمانياً في عابا، وقد تجدد بناءها في العام 1940 ميلادي كما توضح اللافتة الحجرية المنقوشة على مدخلها. تتبع لمطرانية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأورثوذكس، المتربوليت أفرام كرياكوس. كما يوجد في القرية كنيسة القديسة تقلا. كاهن الرعية هو الأب سابا نصر، بينما الكنيسة تؤدي دوراً روحياً واجتماعياً جامعاً لأبناء القرية.

ويقول الأب نصر في حديثٍ إلى "نداء الوطن"، عن عابا: هي قرية كورانية أرثوذكسية صغيرة، لكنها كبيرة بأهلها الذين عُرفوا بحرصهم على العلم والمعرفة، فأنجبت على مرّ السنين أساتذة ومهندسين ورجال أعمال وعسكريين أسهموا في خدمة وطنهم ومجتمعهم. ويضيف الأب نصر أن أبناءها المنتشرين في مختلف دول العالم لم تنقطع صلتهم بقريتهم، إذ يشدهم إليها الحنين والانتماء، فيتابعون باستمرار حاجات الرعية والقرية، ويساهمون بسخاء في دعم النشاطات الكنسية والاجتماعية وأعمال الصيانة والترميم. ويشير إلى أن الرعية تواصل اليوم ترميم كنيسة القديسة تقلا، إلى جانب ترميم الأيقونات في كنيسة مار إلياس الحي، في تأكيد على تمسك أبناء عابا بإرثهم الروحي. ويختم الأب نصر بالتشديد على أن أبناء عابا يجسّدون نموذج اللبناني المتمسك بأرضه وإيمانه، رافعًا الصلوات إلى الرب، بشفاعة والدة الإله والنبي مار إلياس والقديسة تقلا، لحفظ أبناء الرعية أينما وجدوا وإعادتهم دائمًا إلى قريتهم سالمين.


تربويًا

كان في السابق في عابا مدرسة رسمية وكانت من أهم مدارس قضاء الكورة، يأتيها التلامذة من مختلف قرى وبلدات الجوار. وتتميز عابا بنموذج من العيش المشترك، إذ تضم غالبية من طائفة الروم الأرثوذكس حوالي 90%، إلى جانب 10 % من الطائفة السنية، في علاقات يسودها التعاون والتآلف.


زراعيًا

تشكل الزراعة النشاط الاقتصادي الأبرز، وتشتهر عابا بإنتاج الزيتون والحمضيات والرمان. ويؤكد الأهالي أن بعض أشجار الزيتون فيها يتجاوز عمرها 1500 عام، لتبقى من أبرز معالم البلدة الطبيعية والتراثية، ومورداً أساسياً لكثير من العائلات.


اجتماعيًا

عُرفت "عابا" باهتمام أبنائها بالعلم والثقافة، ومن أبنائها من أصبحوا مشاهير على مستوى لبنان والعالم في العديد من التخصصات. ويؤكد المختار شديد خليل أن البلدة بحاجة إلى حضور أكبر للدولة عبر تعزيز الخدمات العامة وإنشاء مؤسسات تلبّي احتياجات الأهالي، مشدداً في الوقت نفسه على أهمية الثقافة الاجتماعية وأهمية استمرار دعم أبناء عابا لها، سواء المقيمين أو المنتشرين في بلدان الاغتراب، لما يشكّلونه من ركيزة أساسية في مسيرة الإنماء.

ويختم بالتأكيد أن التعاون بين الأهالي المقيمين والمغتربين، هو السبيل الوحيد لتحقيق ازدهار القرية، وصون تاريخها وتراثها الزراعي والديني، بما يضمن بقاء عابا قرية نابضة بالحياة، تتمسك بجذورها وتتطلع بثقة إلى مستقبلٍ أفضل.