ما قصة الكنيسة وما علاقتها بالطوباوي البطريرك إلياس الحويك؟ يقول التقليد الشعبي المتوارث في البلدات البترونية الساحلية: تحوم وراشانا وفغال وكفرعبيدا وكفركده، إنّه في العقد الأول من القرن العشرين، ما بين 1906 و1910، وفي طريقه من الديمان إلى بكركي، ولأسباب لم نستطع تحديدها، لم يتمكن الطوباوي البطريرك إلياس الحويك من متابعة الطريق، فبات ليلته في منزل فارس بطرس أبي صعب، الكائن عند جسر المدفون.
صباح اليوم التالي، كان أهالي القرى المذكورة أعلاه قد علموا بحضور البطريرك الحويك، فوصلوا بالعشرات للسلام عليه. فرغب في الاحتفال بالذبيحة الإلهية قبل متابعة الطريق، وبسرعة جُهّزت الغرفة السفلية من المنزل، وأُحضرت صورة للسيدة العذراء من إحدى الكنائس.
بعد القداس، غادر البطريرك وصحبه إلى بكركي، ومن يومها أصبحت تلك الغرفة كنيسة على اسم السيدة العذراء، ودُعيت كنيسة سيدة الجسر، باعتبار أنها تقع على بعد أمتار قليلة من الجسر الروماني القديم القائم فوق وادي المدفون.
ولدى ولادة طفلة فارس بطرس أبي صعب، أسماها مريم على اسم شفيعة الكنيسة. ومن هنا أتى تقديرنا لتاريخ الكنيسة بين عامَي 1906، تاريخ زواج فارس بطرس أبي صعب، و1910، تاريخ ولادة ابنته مريم، فيما شكّك بعض كبار السن في هذا التاريخ، واعتبروا أن الكنيسة أقدم من ذلك، ولكن بسنوات قليلة.
كانت الكنيسة صغيرة طولها حوالى 4 أمتار وعرضها قرابة 3 أمتار ولها باب واحد وطاقة فوق الباب.
أصبح الأهالي يحتفلون بالذبيحة الإلهية في الكنيسة، لا سيما في أعياد السيدة العذراء: عيد بشارتها ومولدها والحبل بلا دنس وانتقالها وأيضًا خلال موسم قطاف الزيتون.
ومن المعروف أن مواسم الزيتون شكلت المصدر الرئيس لمعيشة أهالي الساحل الذين عملوا في سهل الزيتون المجاور لكنيسة سيدة الجسر لأسابيع عدة، وكانوا في فترة عملهم يحتفلون بالذبيحة الإلهية فيها.
كذلك اقتبل فيها سرّ العماد المقدّس العديد من أطفال البلدات المذكورة أعلاه، لكننا لم نستطع التأكد مما إذا كانت قد جرت فيها أي مراسم زواج.
اندلعت الحرب العالمية الأولى ووصل الجوع والمرض إلى المنازل وتشتت الناس يبحثون عن الطعام وراحوا يموتون على الطرقات جوعًا ومرضًا.
لوقوع كنيسة سيدة الجسر إلى جانب طريق بيروت - طرابلس أصبحت الأراضي الملاصقة لها، لا سيما عند الحائط الشرقي مدفنًا للعديد من الذين ماتوا بقربها على الطريق: لا أحد يستطيع تحديد عدد المدفونين قربها، لكن الجميع أكدوا أن الجهة الشرقية للكنيسة كانت مدفنًا عموميًا للموتى من عابري السبيل.
عام 1942، خلال مدّ خط سكة الحديد، تمّت إزالة منزل فارس بطرس أبي صعب، ومن ضمنه الكنيسة، ولم يبقَ منه سوى بعض الآثار.
وكان الأهالي وعِدوا لدى إزالة المنزل ببناء كنيسة جديدة على اسم السيدة العذراء، ملاصقة لخط سكة الحديد، وبوشر بحفر الأساسات، ولكن سرعان ما توقفت الأعمال.
لذلك، فإن كنيسة سيدة الجسر عند جسر المدفون، التي صلّى فيها أجدادنا لسنوات، يجب أن ترتفع مداميكها مرة أخرى، وسترتفع لتعود فتحمي العابرين بقربها وترافقهم في ترحالهم. ومن المهم أن يرتفع قربها نصب للطوباوي الحويك، صاحب الفضل في وجود هذه الكنيسة.