إيلي أحوش

جمعت أطفال الحرب في "سفينة نوح"... شكرًا إيلين مالك على الطفولة المدهشة

3 دقائق للقراءة

رحلت يوم الإثنين، ووُوريت في الثرى أمس الاربعاء في الأشرفية، المعدّة والمنتجة والمخرجة التلفزيونية إيلين مالك، التي اشتهرت مطلع تسعينات القرن الماضي بابتكار وإعداد وإنتاج برنامج الأطفال والشباب الشهير "سفينة نوح"، الذي شكّل محطة بارزة في تاريخ التلفزيون اللبناني، وانطلق منه العديد ممن دخلوا لاحقًا عالم الإعلام.

ومن بين هؤلاء المعدّ والمنتج والمقدّم في "mtv" إيلي أحوش، الذي يوجّه عبر "نداء الوطن" في السطور التالية كلمة وفاء إلى الراحلة إيلين مالك، مكتشفة موهبته في طفولته، والتي أسهمت في تغيير مسار حياته.


خسر عالم الضوء والصوت إيلين مالك، الشخصية الاستثنائية التي أهدت التلفزيون، مقدمةَ برامج ومنتجةً ومعدةً ومخرجةً، الأجمل...

تكاد تكون هذه الأسطر هي الأصعب على كاتبها... فإيلين اكتشفت موهبتي، وغيّرت مسار حياتي، وأضاءت أيامي بالشغف، وغمرت سنين طفولتي بحماية الأم، ورؤية المبدعة، والحضور الآسر لمعلّمة ألهمت سنوات الإدراك والطفولة في الوطن.

انتهت الحرب في أوائل التسعينات، فتركت إيلين الهجرة القسرية لتعانق لبنان مجددًا، وتصنع تجربةً تلفزيونيةً فريدةً اسمها "سفينة نوح"، بدايةً عبر شاشة "تلفزيون لبنان"، ثم عبر قناة "المستقبل"، و "راديو وتلفزيون العرب (ART)".

عشرون طفلا من كل لبنان، من لبنان الحلو، لبنان اللقاء، لبنان الرجاء... جمعتنا.

كان كل يوم جمعة موعد الإعداد لحلقات البرنامج، بين كورنيش المزرعة والأشرفية، في بيت إيلين... لا، بل في عالمها المدهش.

جلنا بين "المون لا سال"، واستوديوهات تلة الخياط، والحازمية، وصيدا، والحمرا. كنا ننطلق صباح السبت عند الخامسة صباحًا لنصوّر "سفينة نوح"، ولا ننتهي أحيانًا إلا مع بزوغ فجر يوم جديد.

جمعت تلك "السفينة" لغات، ورقصات، وأشعارًا، وأغنيات، ومسابقات، وفرحًا... وطبعًا ذكريات وطفولة مختلفة... إيلين كانت حازمة... ممنوع الغلط، و "المهمّ ما تزعل"!

بدأت قصّتي معها عندما استضاف البرنامج المدرسة التي كنت أتلقى دروسي فيها، وطُلب مني كتابة نص وقراءته. أُعجبت إيلين بذلك الطفل الخجول، ابن الاثنتي عشرة سنة، وطلبت مني كتابة أشعار ونصوص بشكل أسبوعي... ثم أطلقت، ضمن فقرات البرنامج، مسابقة "هواة الشعر والأدب"، وتنافست فيها مدارس لبنان على مدى سنة، حتى تعادلنا بالفوز أختي وأنا من "المؤسسة اللبنانية الحديثة"، وصديق طفولتي شادي معلوف، الأحب إلى قلبي وسمعي وعيني، وزميلة معه عن "مدرسة زهرة الإحسان".

خجلت أن أقول لها: "أحبّ تقديم البرامج". بادرت هي، ولم تخضعني لأي اختبار، وأطلقتني من دون أن تتركني لحظة... كانت تحاول إضحاكي قبل أن أبدأ الفقرة... كسرت خجلي وانطوائيّتي إلى الأبد!

لم تبخل إيلين مالك يومًا بكل كلمات الحب حتى آخر الأيام... لقد جعلت إيلين حياتنا ملأى بالجمال، ورافقتنا، وأحبّتنا... عاندت المرض، وغلبته أكثر من مرة...

بالأمس غادرتنا إيلين... الرائدة، والبطلة، والمعاندة الجميلة، بغرّتها الحمراء المنسدلة على الجبين، وضحكتها العالية.

فشكرًا لك، إيلين مالك، على الطفولة المدهشة. شكرًا لكل ما عملتِ لأجله في التلفزيون وخارجه... شكرًا للرقي والشغف المهني.

إيلين، هل تذكرين؟ كنا ننطلق في حلقات برنامج "سفينة نوح"، ونقول سويًا، وكما تحبين:

"!Et que la fête commence"

اليوم تدخلين الفرح الأعمق، بهاء السماء، حيث الاحتفال بالنور الذي لا يغرب: نور المسيح الذي تحبّين، حيث لا ألم ولا وحدة... شكرًا لجعلك أيامنا أعيادًا... "بحبِّك"!





إيلين مالك زمن الصبا