يعيش لبنان وشعبه مرحلة تاريخية مصيرية خطيرة؛ فظلام الحرب يلف البلاد انطلاقًا من جنوبها، حيث يتصاعد غبار التدمير ويتزايد عدد الضحايا والجرحى في حرب عبثية فُرضت على لبنان، ولم يكن اللبنانيون غرباء عنها، بل أُدخلوا في خضم صراع موجع وخطير نأمل ألّا يطول.
وفي خضم هذه الظلمة الحالكة، ظلمة الخوف والقلق على المصير، تشرق علينا من جديد شمس القداسة والقديسين مع إعلان قداسة البابا لاون الرابع عشر المكرم البطريرك الياس الحويك طوباويًا للكنيسة الجامعة.
فالعناية الإلهية لم ولن تترك لبنان وشعبه لمصير مجهول؛ فبعد تطويب البطريرك العلّامة إسطفان الدويهي سنة 2024، بطريرك النهضة الروحية والهوية المارونية، تطوّب الكنيسة في 25 تموز الجاري بطريركًا آخر هو المكرم البطريرك إلياس الحويك، صاحب الأيادي البيضاء في زمن الحرب والمجاعة، والذي كتب صفحات مجيدة في تاريخ لبنان الحديث ورسالة الكنيسة المارونية فيه.
ويلتقي الطوباويان على قناعات راسخة قادت الموارنة من وطنهم الروحي والتراث الليتورجي المقدس إلى وطنهم الجغرافي ودولة لبنان الكبير، التي أرادوها مساحة للتفاعل والتعايش مع شركائهم في الوطن.
الطوباوي البطريرك إلياس الحويك (1843 – 1931)
قائد مسيرة إنشاء الوطن الجغرافي للبنانيين: دولة لبنان الكبير
كان البطريرك الحويك من أبرز من عملوا على استرجاع حدود لبنان التاريخية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقد أدرك أن متصرفية جبل لبنان تفتقر إلى مقومات أساسية من سهول زراعية واسعة ومرافئ كبرى وموارد طبيعية، لذلك طالب باسم اللبنانيين في مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 بعودة لبنان إلى حدوده التاريخية، لكي تقوم دولة مستقلة قابلة للحياة والاستمرار اقتصادياً وجيوسياسياً.
ودافع البطريرك الحويك عن لبنان الكبير ضمن مفهوم للسيادة الوطنية قائم على التنوع الداخلي والانفتاح الحضاري، رافضًا أن يكون لبنان منعزلًا عن محيطه العربي أو تابعًا للغرب. وكان يرى أن لبنان لا يقوم على العددية بل على التعددية والشراكة الوطنية، وأنه يستحيل قيام دولة لبنانية على مبدأ الأحادية الدينية أو الفكرية أو السياسية.
لقد أراد البطريرك الحويك انتقال لبنان من "تجمع طوائف" إلى "اجتماع طوائف" في جمهورية لبنانية حديثة، مؤمنًا بأن المواطنة يجب أن تتقدم على الروابط الطائفية.
الطوباوي البطريرك إسطفان الدويهي (1630- 1704)
قائد مسيرة إنشاء الوطن الروحي للموارنة: التراث الليتورجي
سعى البطريرك الدويهي إلى إبراز الهوية المارونية في كتاباته وعظاته وتعليمه، مبينًا أنها هوية مسيحية تقوم على إيمان أنطاكي كاثوليكي سرياني أصيل، وأن جوهر هذه الهوية هو التراث الليتورجي.
ويُعد كتابه "منارة الأقداس" من أهم مؤلفاته، إذ يعرض فيه حقائق الإيمان المسيحي انطلاقًا من شرح ليتورجيا الذبيحة الإلهية بحسب الطقس الماروني، مع شروح لاهوتية ورعوية تؤكد أصالة الكنيسة المارونية وتدافع عن إيمانها.
ولم تكن "منارة الأقداس" المؤلف الوحيد، بل ترك البطريرك الدويهي مؤلفات عديدة تعكس تعلقه بأصالة التراث الشرقي وإيمانه العميق بحضور الله في الإفخارستيا، حيث يصبح القداس الإلهي الوطن اليومي الحقيقي للمؤمنين.
لقد قاد البطريرك الدويهي مسيرة تجديد وتحديد الوطن الروحي للموارنة، فرسّخ هوية مارونية سريانية أنطاكية أمينة لإيمانها الكاثوليكي، وفتح المجال أمام الموارنة في لبنان وبلدان الانتشار للانتماء إليها وعيشها.
خاتمة
نجد أنفسنا أمام بطريركين عظيمين تركا للكنيسة إرثًا من القداسة والروحانية والعلم والوطنية، ويأتي تطويبهما في أقل من سنتين ليقول لنا الكثير، وما علينا إلا أن نصغي لما يقوله الروح القدس لكنيسة لبنان من خلالهما.
فبعد مرور أكثر من ثلاثمئة سنة على الطوباوي البطريرك الدويهي، الذي كان همّه الفكر الماروني والهوية المارونية، أين أصبح الموارنة اليوم؟ وهل ما زلنا نحيا هذه الهوية كما رسمها؟ أليس من الضروري إعادة النظر في واقعنا على ضوء المتغيرات الكثيرة؟
فبعد وفاة البطريرك الدويهي بسنوات قليلة عُقد المجمع اللبناني في اللويزة سنة 1736، الذي تأثر كثيراً بفكر الدويهي وبرؤيته الكنسيّة والتاريخية. ومنذ عشرين سنة، عُقد المجمع البطريركي الماروني وأصدر توصيات ومقرّرات، فأين نحن منها؟
أما بالنسبة للبطريرك الحويك، فبعد أكثر من مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير، أليس من الواجب القيام بمراجعة وطنية هادئة لتقييم هذه التجربة والعمل على إنقاذ لبنان ووضع رؤية جديدة لمستقبله؟
البطريرك الحويك بنى لبنان، وها هو يتهدّم، أفلا يجب أن نعمل معًا على إعادة البناء؟ لن يغفر لنا أحد غيابنا أو تقاعسنا جميعًا.
راعي أبرشية أوستراليا ونيوزيلندا وأوقيانيا المارونية