ريتا عازار

يرجى ترك المنطق عند الباب

حضرة الغباء يرحّب بكم

6 دقائق للقراءة

الغباء مورد ينافس آبار الغاز في بحرنا، باستثناء البئر رقم تسعة. "السيّد غباء" يظن أن الذكاء سينفجر فيه من خلال التعليم، والوصول إلى المعرفة، والمكتبات الرقمية، ومحرّكات البحث. أما أنا فأؤكد له أن مهمّته أشبه بمهمّات توم كروز، فالغباء يزدهر بحيوية وقحة. إنه لا يحتاج إلى مناخ ملائم ولا إلى دعم. كلّ ما يحتاجه هو إنسان مقتنع بأنه دائمًا على حق.

لا أحد يرى نفسه غبيًا، فهذه المهنة يمارسها الآخرون دائمًا. السائق أمامنا لا يعرف كيف يجتاز المستديرة، والسائق خلفنا خطر على السلامة العامة. أما نحن، فلا نخطئ أبدًا، إلا عندما نقضي نصف دقيقة في البحث عن ماسحات الزجاج في يوم مشمس.

يمتلك "السيّد غباء" موهبة استثنائية، فهو يعرف دائمًا كيف يجد عذرًا ممتازًا. إذا سكب أحدهم قهوته على حاسوبه، فاللوم يقع على الكوب. وإذا سقط هاتف أحدهم في المرحاض، فذلك لأن الشركة المصنّعة لم تتوقع وجود المراحيض. وإذا نسي أحدهم عيد ميلاد شريك قلبه، فذلك لأن الروزنامة لم تساعده. المسؤولية الشخصية مفهوم رائع، إلا عندما يتعلّق الأمر بالغبي.

ولقد منح الإنترنت الغباء ساحة غير مسبوقة. في الماضي، كان يكفي أن تروي قصة غريبة في المقهى، فيدير ثلاثة أشخاص أعينهم، ويغيّر اثنان منهم الموضوع، وينتهي الأمر. أما اليوم، فبإمكان فكرة سخيفة أن تنتشر في أرجاء العالم قبل أن ينهي صاحبها فطوره. اخترعنا شبكة تنقل أعظم الاكتشافات العلمية في ثوانٍ، ثم استخدمناها لنتجادل أيامًا حول لون فستان التُقطت صورته بهاتف عفا عليه الزمن.

كم تشبه وسائل التواصل الاجتماعي اجتماعًا ضخمًا يتحدث فيه الجميع في وقت واحد، وكلٌّ منهم على يقين تام بأنه الوحيد الذي يفهم العالم. فيه خبراء اقتصاديون كانوا بالأمس متخصصين في كرة القدم. أما الأطباء العصاميون، فيتحوّلون إلى علماء مناخ في اليوم التالي، ثم ينتقلون إلى الجيوسياسة في عطلة نهاية الأسبوع. "الموسوعة البريطانية" تحتاج إلى مجلّدات، أما هم فيكتفون بحساب على وسائل التواصل.


دوام كامل

الغباء لا يحب شيئًا أكثر من الجملة التي تبدأ بعبارة "الجميع يعلم". وغالبًا ما تكون هذه أول إشارة إلى أن أحدًا لا يعلم شيئًا. وبمجرّد أن ينطق أحدهم بهذه الكلمات، فمن المرجّح أن يكون ما يليها عكس البديهي تمامًا. وغالبًا ما يتمتع الأشخاص الأكفاء حقًا بالقدرة على الاعتراف بجهلهم، أما البقية فيعوّضون ذلك بضجيج لافت.

هناك أيضًا شكل راقٍ من الغباء يتمثل في تعقيد الأمور البسيطة. اسأل أحدهم عن الوقت، فيخبرك: إنها الساعة الرابعة وأربع وعشرون دقيقة وسبع وأربعون ثانية مساءً. كلّ ما أردت معرفته هو ما إذا كنت متأخرًا. والآن، أصبحت تعرف مدى دقة ساعته.

في المكتب، يتخفى الغباء أحيانًا في صورة اجتماع. يجلس عشرة أشخاص حول طاولة ليقرّروا عقد اجتماع آخر لمناقشة أفضل السبل للاستعداد لاجتماع حاسم. بعد ساعتَين، يغادر الجميع بتقرير من خمس صفحات من دون أي قرارات. إنه المصنع الوحيد الذي يدخل إليه الوقت ويخرج منه محضر اجتماع.

أما الموضة، فهي القسم الذي يعمل فيه "السيّد غباء" بدوام كامل. يكفي أن يرتدي أحد المشاهير زيًا غريبًا ليقرّر آلاف الناس أن التجوّل ببنطال يشبه مفرش طاولة المطبخ أصبح موضة رائجة. والغباء لا يعرف الإجازات؛ فهو يسافر مع السياح. كم مرة تلتقي بمن يُطعم طيور النورس رغم لافتات "ممنوع الإطعام"، ثم يتظاهر "الطاعم" بالدهشة عندما تطارده مجموعة من الطيور المتحمّسة! ويقترب آخر من حيوان برّي ليلتقط صورة سيلفي معه، معلنًا أنه يبدو ودودًا. وبعد ثوانٍ، يذكّر الحيوان الجميع، بأسلوب تأديبي، بأنه لم يوقّع يومًا عقدًا مع المؤثرين!


غباء عائلي

أحاديث العائلة تقدّم لحظات غباء لا تُنسى. تبدأ وجبة الطعام بهدوء، ثم يسأل أحدهم ببراءة إن كان الجميع يفضّل الزبدة غير المملّحة أم المملّحة. وبعد عشرين دقيقة، تنقسم العائلة إلى فريقين، وتستحضر الجدة زمنًا كانت فيه الخلافات أكثر رقيًا، مثل الخلاف على من يرث "الدست" النحاسي. وللغباء ابن عمّ خفيّ، لكنه قويّ، يُدعى التسرّع. إنه الغباء الذي يجبرنا على الرد على رسالة قبل أن ننهي قراءتها. إنه الغباء الذي يجعلنا نبحث عن نظاراتنا لعشر دقائق، وهي معلّقة على رؤوسنا. الغباء هو ما يدفعنا إلى قلب المنزل رأسًا على عقب، بحثًا عن مفاتيح كانت مخبأة في جيوبنا.

والمضحك في الأمر أننا جميعًا نتأثر به. فالشخص الذي يضحك بصوت عالٍ وهو يقرأ هذه السطور، سينتهي به الأمر، على الأرجح، إلى إرسال بريد إلكتروني من دون المرفق الذي أعلن عنه بثقة. ثم سيكتب رسالة ثانية تبدأ بالعبارة الشهيرة: "عفوًا، ها هو المرفق". لعل هذه العبارة الصغيرة هي أبلغ تعبير عن طبيعة الإنسان.

على فكرة، الغباء ديمقراطي بامتياز. فهو لا يتطلب شهادة، ولا ثروة، ولا أي خلفية معيّنة. يصيب الأستاذ كما يصيب الطالب، ويصيب الوزير كما يصيب الجار في الطابق الثالث، ويصيب الحائز على "جائزة نوبل" كما يصيب الشخص الذي نسي سبب دخوله المطبخ. إنه يمنح امتيازاته بمساواة تحسده عليها أنظمة سياسية كثيرة.

لا شك في أن ذلك يجعل الحياة أحيانًا أكثر احتمالا. تخيّل عالَمًا لا يخطئ فيه أحد، ولا يروي فيه أحد حكاية محرجة، ولا يرتدي فيه طفل حذاءه بالمقلوب، ولا يحيّي فيه شخص بالغ غريبًا ظنًا منه أنه يعرف ابن عمّه. قد يكون عالمًا أكثر كفاءة، لكنه بالتأكيد أقل مرحًا!

ربما لا يكمن الذكاء الحقيقي في تجنّب كلّ حماقة، فهذه المهمّة محكوم عليها بالفشل منذ البداية، بل يكمن في معرفة كيفية الضحك عليها بعد وقوعها. فالدعابة ترياق ممتاز للكبرياء؛ فهي تذكّرنا بأننا جميعًا قادرون على الخلط بين السكّر والملح، أو إرسال رسالة إلى الشخص الخطأ، أو التصفيق في نهاية فيلم بينما لا يتحرك أحد.


بشرية بلا حظ

الغباء رفيق قديم. أحيانًا نرغب في طرده، لكنه "حربوق" يملك مفاتيح احتياطية. يظهر فجأة في أسوأ الأوقات، ويُحدث فوضى، ويجبرنا على التذمّر، ثم يختفي قبل أن نملك فرصة لطلب تفسير. ويعود في اليوم التالي بابتسامة مستفزة. لذا، من الأفضل أن نتقبّله بروح فلسفية، فلا جدوى من التظاهر بأن الآخرين وحدهم يصابون به. لكلّ منا مجموعته الخاصة من القرارات المريبة، والتصريحات المتسرّعة، واليقينيات السخيفة، واللحظات التي يقرّر فيها عقلنا، بوضوح، أخذ استراحة غير معلنة.

الخبر السار هو أن هذه اللحظات تذكّرنا بحقيقة مريحة: نحن غير كاملين، وكثيرًا ما نتصرف على نحو أخرق، وأحيانًا نثير السخرية على نحو مبهج. هذا النقص تحديدًا هو ما يغذّي أفضل القصص، وأكثر اللحظات التي لا تُنسى، والضحكات التي تدوم لسنوات.

الغباء في كلّ مكان؛ يتجاوز الأجيال والمهن والحدود بسهولة ملحوظة. إنه مزعج أحيانًا، ومذهل في كثير من الأحيان، ومضحك جدًا عندما لا يؤذي أحدًا. وفي اليوم الذي يختفي فيه، سيتعيّن على الكوميديين التفكير جديًا في تغيير مسارهم المهني. ولحسن حظهم، ولسوء حظ البشرية جمعاء، لا يبدو أن ذلك اليوم سيأتي قريبًا!