يستعدّ الإسرائيليون لخوض انتخابات برلمانية في 27 تشرين الأوّل المقبل، من شأنها أن تشكّل استفتاءً حول أداء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم المكوّن من أحزاب يمينية ودينية، خصوصًا أنها الانتخابات الأولى بعد هجوم 7 أكتوبر، الذي فرضت نتائجه تغييرات جذرية في وعي الإسرائيليين. طبعًا، لا يزال من المبكر توقّع نتيجة الانتخابات بدقّة قبل ثلاثة أشهر من إجرائها، بسبب الأحداث المتسارعة في المنطقة والتبدّلات الدورية في المشهد السياسي داخل إسرائيل، لكن في حال لم تطرأ أحداث دراماتيكية قبل الانتخابات، من المرجّح أن تكون المعركة الأهمّ بين المتنافسين على رئاسة الوزراء تشكيل ائتلاف متجانس قادر على الحكم بعد التصويت.
يواجه الائتلاف الحاكم معارضة مشتّتة حتى الآن، الأمر الذي يبقي أمل نتنياهو في البقاء في منصبه حيًّا، رغم تراجع شعبيّته أخيرًا. بالفعل، تصارع نتنياهو على رئاسة الوزراء شخصيتان أساسيتان: رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، ورئيس أركان الجيش الأسبق غادي آيزنكوت. وقدّر استطلاع للرأي أجرته "القناة 13" هذا الشهر أن يحصد حزب "يشار" بقيادة آيزنكوت 23 مقعدًا من أصل 120، مقابل 22 مقعدًا لحزب "الليكود" بزعامة نتنياهو، و15 مقعدًا لحزب "معًا"، الذي توحّد بينيت ورئيس الوزراء السابق يائير لابيد تحت لوائه. وتوقّع الاستطلاع فوز المعارضة بـ 69 مقعدًا، غير أن أحزاب المعارضة اليهودية ستظلّ بحاجة إلى دعم الأحزاب العربية لتشكيل غالبية، فيما قدّر الاستطلاع أن يحصل الائتلاف الحاكم على 51 مقعدًا.
في هذا الإطار، أوضح الكاتب في صحيفة "تايم" ورئيس "مجموعة أوراسيا" الاستشارية المتخصّصة في المخاطر السياسية، إيان بريمر، أنه "إذا وحّد بينيت ولابيد وآيزنكوت صفوفهم، فقد يتمكّنون على الأرجح من تشكيل الحكومة المقبلة. لكنّ كلًّا من بينيت وآيزنكوت يطمح إلى رئاسة الحكومة ويعتقد أنه قادر على الفوز"، مشيرًا إلى أن انتصار المعارضة في الانتخابات وعجزها بعد ذلك عن تشكيل حكومة ائتلافية بسبب الخلاف على القيادة سيشكّلان أفضل فرصة لنتنياهو، إذ ستُتاح له عندئذٍ مهلة لعقد صفقة للبقاء في السلطة، على الأرجح مع زعيم حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس، إذا نجح في الانتخابات.
من جهة أخرى، يُتوقّع أن تتمحور الانتخابات حول عدد من القضايا، في مقدّمها مصير الحروب غير المحسومة مع إيران وأذرعها، ومدى تأثير الضغوط الأميركية في طريقة تعامل إسرائيل معها. ورغم أن الائتلاف الحاكم والمعارضة يتفقان على ضرورة التصدّي بحزم للتهديدات التي تمسّ الأمن القومي الإسرائيلي، وعلى أن إيران وأذرعها تمثّل الخطر الوجودي الأكبر على البلاد، فإن ذلك لا يحول دون مزايدة كلّ منهما على الآخر في هذه الملفات بهدف تسجيل نقاط سياسية، في ظلّ اعتقاد غالبية الإسرائيليين بأن نتنياهو، وفق معظم استطلاعات الرأي، لم يذهب بعيدًا بما يكفي في حروبه مع إيران وأذرعها.
بالإضافة إلى ذلك، ستحتلّ إشكالية تجنيد الحريديم في الجيش حيّزًا مهمًا في السجالات السياسية خلال الحملة الانتخابية. صحيح أن الخلاف حول هذا الموضوع ليس جديدًا، لكنه تأجّج بعد 7 أكتوبر بسبب الضغوط المتزايدة التي يواجهها الجيش على مستوى عديده، خصوصًا بعد إنشاء مناطق عازلة في لبنان وسوريا وقطاع غزة. وعلى صعيد آخر، ما زالت كيفية إنشاء لجنة تحقيق في الإخفاقات التي أدّت إلى 7 أكتوبر موضوع خلاف بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، التي تتّهم نتنياهو بالسعي إلى الهروب من المسؤولية عبر تشكيل لجنة يعيّن الكنيست أعضاءها، بينما تطالب المعارضة بأن تُناط صلاحية تعيين الأعضاء برئيس المحكمة العليا.
تبدو الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقبلة أقرب إلى محاكمة سياسية لمرحلة ما بعد 7 أكتوبر منها إلى استحقاق دستوري عادي. غير أن ترجمة خيار الناخبين إلى حكومة فعلية ستتوقّف على قدرة الفائز على تقديم التنازلات اللازمة لتشكيل ائتلاف متجانس يمتلك مشروعًا واضحًا لإدارة البلاد. وإذا تعذّر ذلك، فقد تجد إسرائيل نفسها مجدّدًا عالقة في دوامة انتخابات متلاحقة، تعيد إنتاج الشلل السياسي الذي عاشته بين عامَي 2019 و2022، حين احتاجت إلى خمس جولات انتخابية للخروج من المأزق.