الدكتور سايد حرقص

بين فهد صقلية وفهد لبنان

4 دقائق للقراءة

لا تبدأ نهاية الأنظمة السياسية يوم تسقط، بل يوم تعجز عن إدراك أن الزمن سبقها. فالمشكلة ليست في طول بقاء الحاكم، بل في أن يتحول البقاء نفسه إلى غاية، وأن يصبح الحفاظ على الماضي أهم من صناعة المستقبل.

هذه هي الفكرة التي جعلت رواية «الفهد» للكاتب الإيطالي جوزيبي توماسي دي لامبيدوزا واحدة من أعظم الروايات السياسية في القرن العشرين. فهي لا تروي سقوط أمير صقلي، بقدر ما تروي أفول طبقة كاملة أدركت أن التاريخ غادرها، لكنها رفضت الاعتراف بذلك.

ولذلك جاءت عبارتها الأشهر، التي تجاوزت الأدب لتصبح قاعدة في علم السياسة: «إذا أردنا أن يبقى كل شيء كما هو، فلا بد أن يتغير كل شيء.» إنها ليست دعوة إلى الإصلاح، بل وصف دقيق لسياسة البقاء؛ تغيير في الشكل يمنع التغيير في الجوهر، وتبديل في الوجوه يحفظ النظام نفسه، وإصلاحات محسوبة تمتص الضغوط من دون أن تمس بنية السلطة.

ولعل هذه الفكرة تفسر جانباً مهماً من الحياة السياسية اللبنانية خلال العقود الثلاثة الماضية. فمنذ عام 1992، بقي رئيس مجلس النواب نبيه بري حاضراً في قلب السلطة، فيما تبدلت الرئاسات، وإغتيلت شخصيات وسقطت حكومات، وانسحب الجيش السوري، ووقعت حروب، وانهار الاقتصاد، وتغيرت موازين القوى في الداخل وفي الشرق عامة. كانت التحولات عاصفة، لكن القدرة على التكيف كانت كفيلة بالحفاظ على الموقع والدور.

إنها ليست مجرد مهارة سياسية، بل نموذج متكامل في إدارة الزمن؛ الانحناء أمام العواصف بدلاً من الاصطدام بها، واستيعاب المتغيرات بدلاً من مقاومتها، وإعادة إنتاج التوازنات كلما تبدلت الظروف وهذا ما عرف لبنانيا ب "ارانب بري".

لكن الزمن لا يمنح أحداً انتصاراً دائماً.

فكل زعامة طويلة تحمل في داخلها بذور أزمتها الخاصة. فما كان في البداية مصدراً للقوة يتحول تدريجياً إلى مصدر للجمود. والخبرة التي صنعت النفوذ قد تتحول مع مرور السنين إلى عدسة يُقرأ من خلالها المستقبل بلغة الماضي وهنا تبدأ شيخوخة السلطة والزعامة في نفس الوقت.

إنها اللحظة التي يصبح فيها الحفاظ على الإرث أهم من بناء إرث جديد، ويغدو الاستقرار مرادفاً لاستمرار الأشخاص، لا لاستمرار المؤسسات، ويتحول الخوف من المجهول إلى خوف من أي تغيير، مهما كان ضرورياً. في تلك اللحظة، يبدأ الزعيم، من حيث لا يشعر، بالنظر إلى الدولة بعينيه هو؛ فيرى أن استقرارها مرتبط باستمراره، وأن غيابه قد يعني انهيارها. وهكذا تنتقل الشرعية تدريجياً من المؤسسات إلى الأشخاص، ويصبح تداول السلطة حدثاً استثنائياً، لا قاعدة طبيعية في حياة الأمم.

غير أن التاريخ لا يعترف بهذه المعادلة.

فهو لا يقيس الدول بطول أعمار حكامها، بل بقدرتها على إنتاج قيادات جديدة. والدولة التي تعجز عن تجديد نخبها تشبه شجرة تتوقف عن إنبات الأغصان الجديدة؛ قد تبقى واقفة سنوات طويلة، لكنها تكون قد بدأت بالموت من الداخل. وهنا تتجلى عبقرية دي لامبيدوزا. فالأمير سالينا لم يكن يخشى الثورة بقدر ما كان يخشى الاعتراف بأن زمنه انتهى. كان يعرف أن التاريخ لا يهزم الرجال لأنهم أخطأوا، بل لأنه لا يسمح لأحد بأن يحتكر المستقبل. فلكل عصر لغته، ولكل جيل أولوياته، ولكل مرحلة رجالها.

وربما كان هذا هو أكثر ما يخشاه أصحاب الزعامات الطويلة: ليس خسارة السلطة، بل اكتشاف أن الزمن لم يعد يحتاج إليهم كما كان في السابق.

إن أكثر ما يربك الزعيم ليس وجود الخصوم، بل اقتراب اللحظة التي يصبح فيها هو نفسه جزءاً من الماضي الذي صنعه. فالقوة تمنح الإنسان شعوراً بأنه قادر على إدارة الزمن، لكن الزمن هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع أحد إدارتها.

لهذا فإن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين ينجحون في البقاء أطول فترة ممكنة، بل أولئك الذين يعرفون متى يتحول البقاء من خدمة للوطن إلى عبء عليه، ومتى يصبح تسليم الأمانة استمراراً للمشروع لا نهاية له. وهذا هو الدرس الذي يربط بين فهد صقلية وفهد لبنان.

فالسياسة قد تؤجل حركة التاريخ، لكنها لا تستطيع إيقافها. والسلطة قد تنتصر في معارك كثيرة، لكنها لا تنتصر على الزمن. أما الشعوب التي تبني مستقبلها على المؤسسات، لا على الأشخاص، فهي وحدها القادرة على العبور من جيل إلى جيل من دون خوف.

لأن التاريخ، في النهاية، لا يتذكر من بقي في السلطة أطول، بل من عرف متى يغادرها تاركاً وراءه دولة أقوى مما كانت، ومؤسسات أرسخ مما تسلّمها، ومستقبلاً أوسع من عمره السياسي.