رجي: لبنان اختار الدولة والسيادة وقرار الحرب والسلم يُتخذ في بيروت وحدها

5 دقائق للقراءة

شارك وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي في مؤتمر عُقد في مجلس الشيوخ الفرنسي تحت عنوان "للتضامن مع لبنان: السلطات المحلية في قلب الشراكة الفرنسية-اللبنانية"، بدعوة من رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه. وحضر المؤتمر وزير الداخلية أحمد الحجار، وعدد من رؤساء المناطق والبلديات الفرنسية والهيئات المحلية التي تربطها علاقات وثيقة مع السلطات المحلية اللبنانية.

وتناول المؤتمر تطورات الأوضاع في لبنان، والتعاون بين لبنان وفرنسا على مستوى السلطات المحلية، بهدف تعزيز الشراكة بين البلدين في مجال التنمية الإدارية على مستوى الهيئات المدنية والبلدية.

واستُهل المؤتمر بكلمة ترحيبية لرئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، شدد فيها على الارتباط العضوي بين لبنان والمجلس الفرنسي، متوقفاً عند الأزمات المتعاقبة التي عانى منها لبنان، وآخرها الأزمة التي تسبب بها حزب الله، على حد تعبيره. ووصف قرار الحكومة اللبنانية رفض مسار الحرب والذهاب نحو المفاوضات بأنه قرار شجاع وتاريخي.

وألقى الوزير رجي كلمة وصف فيها العلاقة اللبنانية الفرنسية بالاستثنائية، مشيراً إلى أنها تطورت من علاقة دولة حامية إلى شراكة راسخة، لم تعد تُعنى بخدمة طائفة بعينها، بل بخدمة فكرة جامعة: فكرة لبنان الحر، السيد، التعددي، الديمقراطي، المنفتح على العالم، والقائم على مؤسسات قوية وقادرة.

وأكد رجي أن لبنان اختار إعادة بناء دولة سيدة كاملة السيادة، لا يعتري سلطتها أي التباس، ودولة تحتكر وحدها قرار سياستها الخارجية وأمنها الوطني وتمارس وحدها حق استخدام القوة الشرعية. وأشار في هذا السياق إلى قرارات وصفها بالتاريخية اتخذتها الحكومة، وفي مقدمتها إنهاء الوجود العسكري لحزب الله، مشدداً على أن هذا القرار هو الذي هيأ الظروف السياسية التي جعلت "اتفاق الإطار" ممكناً.

وتابع: "لم يكن قرار إنهاء الوجود العسكري لحزب الله استجابةً لضغوطٍ خارجية ولا ثمرة مفاوضات دبلوماسية، بل جاء تعبيراً عن إرادةٍ وطنية خالصة، وعن قناعةٍ راسخة بأن الدولة لا تستطيع أن تستعيد كامل صدقيتها وهيبتها ما دامت هناك تنظيمات عسكرية تعمل خارج سلطتها الدستورية".

وشدد رجي على أن "لبنان لم يعد يتحرك وفق إملاءات الظروف، بل وفق رؤية واضحة تعتبر أن السيادة لا تتجزأ، وأن القرار الوطني لا يُفوّض، وأن احتكار القوة الشرعية لا يمكن أن يكون إلا للدولة".

وإذ اعترف بأن لبنان كان، بحكم موقعه الجغرافي وانفتاحه وتعدديته، بلداً تتقاطع فيه التأثيرات الخارجية، رأى في المقابل أن هذه التأثيرات ليست كلها متشابهة، معتبراً أن لبنان لا يرفض التعاون مع أحد، لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين الشراكة والوصاية، وبين التعاون والتدخل.

وأضاف: "لذلك نرحب بكل شريك يساهم في تقوية الدولة اللبنانية، ونرفض كل من يسعى إلى الحلول مكانها". وشدد على أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، والأمن الوطني، والسياسة الخارجية، تُتخذ اليوم في بيروت، وفي بيروت وحدها.

وأضاف: "إن هذا الخيار يتطلب شجاعة، بل ويفرض أحياناً اتخاذ قرارات صعبة، لكنه خيار لا رجعة عنه، لأنه يعبر عن إرادة عميقة لدى اللبنانيين وتطلعهم إلى استعادة دولتهم، دولة لا تكون بعد اليوم ساحةً لتصفية صراعات الآخرين، ولا خط دفاع متقدماً لخدمة مصالح خارجية، ولا ورقة تفاوض تُستخدم على موائد المفاوضات التي تُعقد بعيداً عن بيروت".

وأكد الوزير رجي في كلمته في مجلس الشيوخ الفرنسي أن لبنان ينظر إلى فرنسا بوصفها شريكاً قادراً على الإسهام في بناء منظومة جديدة للأمن والازدهار والتعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأشاد بالدور الذي تؤديه فرنسا منذ عقود، في إطار القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل)، لكنه شدد على أن "الجميع يدرك بأن أي قوة دولية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تحل بصورة دائمة محل الدولة ذات السيادة".

وأضاف: "هدفنا واضح، أن تبسط القوات المسلحة اللبنانية سلطتها تدريجياً على كامل الأراضي اللبنانية، بما فيها الجنوب، انسجاماً مع القرارات السيادية للدولة اللبنانية، ووفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة".

غير أن تحقيق هذا الهدف، كما قال، يبقى مرتبطاً باستحقاق لا يقل أهمية، وهو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية.

وتابع: "لا يمكن لأي دولة أن تستكمل بناء مؤسساتها وسيادتها فيما لا يزال جزء من أراضيها خاضعاً للاحتلال. فالاحتلال يقوض مؤسسات الدولة، ويغذي عوامل التوتر، ويؤخر العودة إلى الاستقرار السياسي والأمني، كما يحول دون ممارسة الدولة سلطتها الكاملة على أراضيها. كما لا يمكن الحديث عن استقرار مستدام ما لم تكن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر استخدام القوة المشروعة".

وأكد أن الحكومة الحالية تبني رؤيتها للمستقبل على أساس أن "لا سيادة كاملة لدولة يستمر على أرضها أي وجود عسكري أجنبي، ولا لدولة لا تمارس مؤسساتها الشرعية وحدها السلطة العامة واحتكار القوة".

وإذ دعا فرنسا إلى بناء شراكة لا تبقى محصورة في مفهوم التضامن وحده، بل المساعدة على ترسيخ توازن جديد وأكثر استقراراً، ودعم دولة استعادت طموحها في ممارسة كامل صلاحياتها والقيام بمسؤولياتها، جدد التأكيد على أن لبنان اختار الدولة والمؤسسات والسيادة، وألا يكون بعد اليوم ساحة يتصارع عليها الآخرون أو مسرحاً لتصفية حساباتهم أو وسيلة لتحقيق مشاريع لا تمت إلى مصلحة اللبنانيين بصلة.

وختم الوزير رجي داعياً فرنسا إلى مواصلة إيمانها بأن لبنان السيد الديمقراطي الذي تحكمه مؤسساته الشرعية ليس مجرد احتمال، بل حقيقة يمكن ترسيخها.