باتريسيا جلاد

"المالية" مأزومة وإجراءات ضريبية ترقيعية لسد العجز

اعتمادات بلا تمويل... والبحث جارٍ عن إيرادات

5 دقائق للقراءة
لم تُرصد الإيرادات للاعتمادات التي تمّ إقرار فتحها بقيمة 628 مليون دولار

وضع الدولة حسّاس و"مأزوم" مالياً، كما المواطن اللبناني، نتيجة الأعباء التي تركتها حرب إسناد "حزب الله" لإيران التي اندلعت في آذار الماضي.

في حين كانت الدولة تنتظر تحقيق فائض في العائدات على غرار العام الماضي، والذي تراوح بين مليار و1.5 مليار دولار، تجد خزينة الدولة نفسها أمام عجز في النفقات والواردات، نتيجة تراجع عائداتها بنسب قاربت النصف خلال فترة الحرب التي امتدت لشهرين ونصف.

من هنا، شرعت منذ اتفاق وقف إطلاق النار في منتصف نيسان المنصرم، برعاية أميركية، وهدنة لاحقة في منتصف أيار، في البحث عن عائدات لسدّ نفقاتها والحدّ من رقعة العجز، المطلوب أن يكون صفراً من قبل صندوق النقد الدولي، توازياً مع الالتزام بوعود قطعتها لموظفي القطاع العام والعسكريين.

لكن هذه الضغوط التي تواجهها الدولة لا يمكن عكسها على المواطن من خلال فرض ضرائب عليه. فبدلاً من أن تدعم الدولة المواطن الذي تراجعت مداخيله وأعماله بسبب الحرب، تلجأ إلى فرض ضرائب ورسوم تثقل كاهله.

يعاني المواطن حالياً الأمرّين: ارتفاع أسعار السلع عالمياً نتيجة معاودة أسعار النفط مسارها الصعودي من جهة، تضخّم أسعار السلع داخلياً، التي زادت أصلاً، لا سيما السلع الغذائية في السوبرماركت، بنسبة تصل إلى 10%. ويأتي ذلك في وقت تعمد فيه الشركات الخاصة إلى خفض نفقاتها، وصرف موظفين من العمل، وخفض رواتب الموجودين، بدلاً من مواكبة رواتبهم للتضخّم المستمر وارتفاع كلفة المعيشة.


اعتمادات من دون عائدات

أمس، أقرّ مجلس النواب مشروع القانون الوارد في المرسوم رقم 3057، الرامي إلى فتح اعتماد إضافي في الموازنة العامة للعام 2026 بقيمة 56,500,000,000,000 ل.ل. (أي ما يعادل نحو 628 مليون دولار)، من دون توفير عائدات له، ما يطرح تساؤلات حول عودة فتح الاعتمادات من دون تأمين الأموال المموّلة لها.

ومن بين تلك الاعتمادات التي أُقرّت في الجلسة التشريعية أيضاً، اعتماد الـ200 مليار ليرة في موازنة 2025، لإعطاء مساهمة مالية إلى صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة، لتغطية عجز الصندوق.

في ما يتعلق باعتماد الـ56,500 مليار ليرة، علمت "نداء الوطن" من مصادر مطّلعة أنه لم يتم فعلياً توفير مصادر لهذه الاعتمادات التي أعدّت لتمويل رواتب القطاع العام الموعودة، علماً أن هذا الاعتماد، بعنوانه العريض، مخصص للقطاع العام، ويشكّل نحو 10% من موازنة 2026. الأمر الذي دفع الحكومة إلى البحث عن مصادر يمكن أن تدرّ عليها مداخيل منذ وقف إطلاق النار، مثل الرسم البيئي الذي صدر مرسوم تطبيقه رقم 3214 في 15 حزيران 2026ثم أُعيد تعليقه، والذي تراوحت فيه نسب الرسوم على السلع المستوردة بين 1 و3%، فحظي باعتراض شديد استدعى تعليقه من قبل الحكومة في 29 حزيران. 

إلا أنه، ونظراً إلى عدم إنجاز الدراسات حوله واتخاذ قرار بشأن التعليق، أُعيد العمل برسم الـ0.1% السابق، كما علمت "نداء الوطن"، وهو ما اعتبره رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي "لن تنتج عنه تداعيات تضخمية على السلع، وخصوصاً الغذائية". وقال بحصلي لـ"نداء الوطن": "لم يتم السير بالمرسوم التطبيقي بالنسبة الجديدة التي تتراوح بين 1 و3%، بل أُعيد العمل بالنسب القديمة التي حُدّدت عند إقرار المرسوم في كانون الثاني 2026، وباتت تعادل 0.1 أو 0.2%".

وأشار إلى أنه "عندما صدر مرسوم الضريبة على السلع المنتجة للنفايات منذ نحو شهر، تمّت مضاعفة النسب القديمة عشر مرات، فأصبح معدّلها 2%. وأمس أُعيد العمل بالصيغة القديمة، وهي 0.1% على بعض الأصناف، علماً أن هناك أصنافاً معفاة".

لذلك، يعتبر بحصلي أن "التداعيات ستكون ضئيلة جداً، فنسبة 0.1% على كونتينر بقيمة 100 ألف دولار ترتّب رسماً بقيمة 100 دولار، وبالتالي لن يكون هناك أي تأثير على الأسعار بموجب هذا القرار، علماً أننا نعارض مبدأ فرض الضرائب الإضافية بغض النظر عمّا إذا كانت قليلة أم لا".


ضريبة الـTVA

تسعى الحكومة في الوقت الراهن إلى فرض رسوم ضريبية جديدة، سبق أن طُرحت في جلسة مجلس النواب التشريعية، منها زيادة الضريبة على القيمة المضافة، التي أعلن رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان أمس رفض إضافتها لتمويل زيادة رواتب القطاع العام، معلّلاً ذلك بالقول: "إن ربط أي ضريبة بإنفاق معيّن هو أمر غير دستوري، وقد سبق للمجلس الدستوري أن ردّ مشروعاً مماثلاً، وهو خاضع لإمكانية الطعن أمام المجلس الدستوري".

في ظل هذا الضغط على خزينة الدولة، تعمد وزارة المال إلى إبطاء التحصيل منذ شهر آذار حتى اليوم، وإبطاء الإنفاق، ما سيكلّف الدولة شهرياً مبلغاً يتراوح بين 50 و60 مليون دولار، إذ سيتم بالتوازي تقسيط المتوجبات والرسوم المؤجّلة لفترة 5 أو 6 أشهر في المرحلة المقبلة. وتستند الحكومة إلى إيرادات الموازنة التي قد تكون كافية لتغطية هذه النفقات، ضمن إدارة تقوم على الشحّ في الإنفاق.

تبقى الخشية، في ظل هذا الواقع، من العودة إلى العام 2017، حين بات الإنفاق الحكومي يشكّل ضغطاً على الموازنة، يمتدّ إلى الوضع النقدي وسعر الصرف. لكنّ المصرف المركزي هذه المرّة غير قادر، وغير مستعد، للتفريط باحتياطه.