لم تعد معظم المقابلات الإعلامية في أيامنا مساحةً للحديث عن الأعمال والتجارب بقدر ما باتت، في كثير من الأحيان، ساحةً للبحث عن الموقف الأكثر إثارة، والجملة الأسرع انتشارًا، والتفصيل الشخصي القابل للتحول إلى "ترند". وبين إعلام يلاحق العنوان الصادم، وجمهور تستقطبه السجالات، ومنصات تتيح أحيانًا اجتزاء الكلام وإعادة تدويره خارج سياقه، يتراجع النقاش الفني، وحتى السياسي، لمصلحة ضجة قد تصنع لحظةً عابرة، لكنها تطرح أسئلةً جدية عن حدود مهنة الإعلام ومسؤوليتها.
هل فقد الحوار الفني هويته؟ وأين تنتهي الجرأة وتبدأ الإثارة في المقابلات؟ تجيب الإعلامية منى خوري أن "الاحترام هو المعيار الأول الذي ينبغي أن يحكم أي سؤال يتعلق بالحياة الخاصة للشخصيات العامة. قد يكون السؤال جريئًا، لكن لا يجوز أن يكون جارحًا أو مهينًا، فثمة فارق واضح بين الجرأة المهنية والتعدي على الآخر. كذلك، ينبغي أن يكون هناك سبب حقيقي لطرح السؤال، وألا يُطرح لمجرد إثارة الجدل أو زيادة نسب المشاهدة والتفاعل".
وتضيف معدة ومقدمة برنامجَي "حزار بعد حزار" و "برجك اليوم" على "One TV" و "One FM"، في حديثها مع "نداء الوطن" أن "من الضروري أن يكون السؤال مرتبطًا بالضيف أو بالصورة التي يقدمها للناس، لا أن يتحول الحوار إلى اقتحام لحياته الخاصة بحثًا عن عنوان مثير. في النهاية، الإعلامي ليس محققًا، بل شخص يدير حوارًا ويبحث عن المعلومة بأسلوب مهني وإنساني في الوقت نفسه. من حقه أن يسأل، ومن حق الجمهور أن يعرف، لكن ضمن حدود تحفظ كرامة الضيف ولا تحول حياته الخاصة إلى مادة مستباحة".
لكن هل يمكن للمقابلة في زمننا أن تحقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا من دون الاعتماد على الإثارة أو كشف التفاصيل الشخصية للضيف؟ ترى خوري أن ثمة اعتقادًا بأن النجاح يرتبط فقط بالفضائح والعناوين الصادمة، لكن برأيها هذا النوع من النجاح يكون غالبًا موقتًا، "قد يثير ضجة كبيرة في لحظة معينة، ثم ينتهي سريعًا، فيما يبقى الحوار الجيد في ذاكرة الناس ويترك أثرًا أبعد من عدد المشاهدات". وتوضح: "عندما يكون الضيف صاحب تجربة غنية، وتكون الأسئلة مدروسة وذكية، يصبح الحوار بحد ذاته مادة ممتعة للمشاهد أو المستمع. الجمهور ينبغي أن يكتشف جوانب جديدة من شخصية الضيف، وأن يسمع قصص نجاحه وتجاربه وآراءه والمراحل التي صنعت مسيرته. وليس من الضروري الدخول إلى خصوصيات الضيف كي يستمتع المتلقي بالمقابلة، فأحيانًا تترك كلمة صادقة أو لحظة إنسانية أثرًا أكبر بكثير من أي خبر أو موقف مثير للجدل".

الرصيد الحقيقي
وتعتبر الإعلامية منى خوري أن المشكلة تبدأ حين يصبح "الترند" هدفًا أساسيًا للمحاوِر، بينما ينبغي أن يكون "الترند" نتيجة طبيعية لعمل جيد، وتتابع: "اليوم، ثمة إغراء كبير لملاحقة كل ما يثير الضجة ويجذب التفاعل، لكن المصداقية تبقى الرصيد الحقيقي لأي إعلامي. قد ينجذب الجمهور إلى خبر أو موقف لفترة قصيرة، لكنه لا يمنح ثقته إلا لمن يثبت مع الوقت أنه إعلامي مهني وصادق ويحترم عقل المتلقي. فالمُشاهدات قد تصنع لحظة، لكنها لا تبني بالضرورة مسيرة طويلة".
وهنا تخص خوري الإعلاميين والإعلاميات من جيل الشباب بنصيحة انطلاقًا من خبرتها الطويلة: "الإعلامي الشاب يحتاج إلى ما هو أبعد من الحضور أمام الكاميرا أو القدرة على صناعة عنوان لافت. ينبغي أن يطور ثقافته باستمرار، وأن يقرأ ويبحث ويستمع أكثر مما يتكلم. فالسؤال الجيد لا يأتي من فراغ، بل من المعرفة والتحضير وفهم الضيف وتجربته، وكلما كان الإعلامي أكثر ثقافة، استطاع أن يدير حوارًا أعمق وأكثر تأثيرًا". وتتابع خاتمةً: "الإعلام ليس مجرد كاميرا وأضواء وشهرة، بل مسؤولية وتأثير. لذلك، أنصح الإعلاميات والإعلاميين الشباب بألا يطاردوا "الترند" على حساب المصداقية، لأن الضجة تنتهي سريعًا، فيما يبقى الاسم الذي يُبنى على الثقة. وكلما جمع الإعلامي بين المعرفة والحضور والاحترام، استطاع أن يصنع لنفسه مسيرة تستمر سنوات طويلة، لا موسمًا واحدًا أو "ترندًا" عابرًا".
الفوضى مسيطرة
ومن رأي إعلامية تحاوِر إلى رأي ضيف يُحاوَر في برامج عدة. يعتبر الممثل أسعد رشدان أن "البلد كله "مخلوط" بعضه ببعض، ولم يعد شيء واضحًا. فالسياسة دخلت في الفن، والفن الهابط اختلط بالجيد، والفوضى المسيطرة على البلاد سيئة جدًا. لم يعد هناك فن كما في السابق، والإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة عما وصلنا إليه".
يعطي رشدان، في حديثه مع "نداء الوطن"، مثالا على ما قاله للتو: "أجريت منذ فترة مقابلة، فوُضع لها عنوان أثار ضجة كبيرة وأدخلني في دوامة من التهديدات والاتهامات، وصولا إلى اتهامي بالصهيونية. اجتزأوا بضع كلمات من جملة طويلة لإثارة البروباغندا، فيما الناس لا تقرأ ولا تبحث عن السياق الكامل للحديث. وللأسف، ثمة جهل لدى شريحة من شعبنا، في ظل انهيار التربية والثقافة. ولذلك تقع المسؤولية على بعض الإعلاميين والجمهور معًا".
من جهة أخرى، يقر أسعد رشدان أن تجربته مختلفة عن سواه من أهل الفن والرأي، "فأنا أتعامل مع السياسة منذ ما قبل دخولي الفن، بالمعنى الضيق للكلمة، وكنت منغمسًا فيها فترة شبابي. وأرى أن على الفنان أن يكون صاحب رأي سياسي، لأنه شخص مؤثر في المجتمع. وإذا كان رأيه منطقيًا ومدروسًا، يستطيع أن يُحدث تغييرًا، أقله في الشعوب الواعية".
نسأله عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على المنحى الذي تأخذه المقابلات الإعلامية مع الضيوف، فيجيب: "السوشيال ميديا مشكلة أساسية. فكلّ شيء أصبح مسجلا ومتاحًا بين أيدي الناس. يستطيع أي شخص أن ينفذ مونتاجًا خلال لحظات، ويجتزئ ما يريده من كلام قيل في مقابلة، وهذا غيّر طبيعة الحوار مع الفنان. بات في إمكان الإعلامي أن يؤذي الفنان، كما بات في إمكان الناس أن يفعلوا الأمر نفسه".
ويؤكد رشدان أن "المطلوب من الإعلامي أن يكون محددًا وواضحًا مع الفنان منذ البداية بشأن طبيعة المقابلة، وما إذا كانت فنية أم سياسية. ولا مانع من أن تتضمن المقابلة الفنية بعض الأسئلة السياسية، لكن من الضروري ألا يضيع عمل فني كامل خلف تصريح واحد أو عنوان مثير".
لا سلطة ولا دولة
في المقابل، يعتبر الممثل أسعد رشدان أن في لبنان لا سلطة ولا دولة تعملان كما ينبغي، والناس اليوم منشغلة بالسياسة وبهمومها الحياتية واليومية، وهذا انعكاس للتراجع الذي أصاب الفن والثقافة والتربية.
"لم تعد هناك نشاطات فنية مهمة كما في السابق، ولا مقابلات تذهب عميقًا في الأعمال والتجارب الفنية كما كان يحصل سابقًا"، يقول رشدان، الذي يؤكد أننا "ما لم نصل إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي، فلا ينبغي لأحد أن يتوقع من الناس أن تسأل عن الفن والثقافة. لأن حين يكون الإنسان غارقًا في قلقه اليومي، تصبح أولوياته في مكان آخر، ويبقى الفن، مهما بلغت أهميته، ضحية أخرى للفوضى التي تحكم البلاد".
في المحصلة إذًا، لا تبدو حال المقابلات الفنية منفصلة عن واقع الإعلام والمجتمع. فبين فوضى الاجتزاء وإغراء "الترند"، يبقى الرهان على عودة، ذات يوم، إلى حوار يحترم الضيف وعقل الجمهور، ويعيد إلى الفن مساحته في الحوارات التي تُجرى مع الفنانين، حتى تستعيد تلك الحوارات هويتها، وتخرج من آنية "الترند" الموقت الذي يغلبه "ترند" آخر بعد ساعات قليلة.
