الشيخ نعيم قاسم يتكلّم كصاحب سلطان في ما يريد من رئيس الجمهورية جوزاف عون فعله. ولا أحد يعرف كيف يكون من يسعى إلى استعادة الأرض "خائنًا" في خطاب "حزب الله"، ويكون "منتصرًا" ومحتكرًا "الوطنية" من بدأ حربًا لإسناد إيران، جعلت إسرائيل تمحو قرى في الجنوب وتحتل الأرض حتى الليطاني. ولا شيء يوحي بأن ثمة حرجًا في رفض المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا، والتمسّك بالمفاوضات المباشرة بين أميركا وإيران بوساطة باكستان وقطر. فالمسألة لا تتعلّق بمبدأ التفاوض في حد ذاته، بدليل مطالبة الدولة بالتفاوض غير المباشر بدل المباشر، بل بما يقود إليه التفاوض. والرهان واضح.
نجاح التفاوض على الاتفاق النهائي انطلاقًا من "الإطار الثلاثي" يتوقف على أمر أساسي هو سحب السلاح من "المقاومة الإسلامية"وتفكيك بنيتها التحتية. ونجاح التفاوض على الوضع النهائي بعد"مذكرة التفاهم"يرتبط في رأي طهران ورهانات أذرعها بتقوية"جبهة المقاومة"كجزء من مصادر القوة في حماية الأمن القومي الإيراني.
حتى الفشل في مفاوضات لبنان مع إسرائيل ومفاوضات إيران مع أميركا، يؤدي إلى احتفاظ "حزب الله" بالسلاح، سواء عاودت واشنطن وتل أبيب حرب إیران أو بقيت المنطقة في حال اللا حرب واللا سلم.
ولا حاجة إلى التهديد بحرب أهلية دفاعًا عن السلاح. يتهم "الحزب" خصومه ومعارضيه، والتفاوض مع إسرائيل، بـ"الفتنة" والتسبّب بحرب أهلية. فليس هناك حرب أهلية يقود إليها خيار محلي من طرف واحد، ولا حتى من أكثر من طرف. وما علّمتنا إياه حرب لبنان الأهلية والإقليمية والدولية هو أنه لا حرب أهلية من دون أطراف خارجية قوية لها مصلحة فيها، من أجل قضايا لا علاقة لها بأي شيء أراده أي طرف لبناني، وهي أكبر من أي قضية لبنانية.
فضلا عن أن الحرب الأهلية لا يقوم بها الشعب من كل التوجهات السياسية والطائفية بل تبدأ بها مجموعة منظمة ولو كانت صغيرة، ثم تدفع الناس بقوة الوقائع والفعل ورد الفعل إلى الانخراط فی الحرب. و"ما يحتاج إليه إسقاط نظام ليس منظمة ثورية بل منظمة ثوريين" كما كان يقول لينين. وفضلا أيضًا عن أن حرب لبنان استمرت طويلا حين كان "اللا أمن" في الوطن الصغير هو في مصلحة الأمن الإقليمي والدولي، وعندما تبدلت مصالح الكبار انتهت الحرب لأن اللا أمن في لبنان لم يعد يخدم أي هدف خارجي، ولأن كل الأطراف المحلية صارت متعبة وعاجزة عن الاستمرار.
والذين يطالبون اليوم بالعودة إلى اتفاق "وقف الأعمال العدائية" في خريف 2024 بعد حرب إسناد غزة هم الذين تصوروا أن الظروف الصعبة التي قادت "الحزب" إلى قبوله تغيرت بما يجب أن يؤدي إلى صيغة أخرى لا تحتم سحب السلاح من كل لبنان "ابتداء من حرب الليطاني". والذين يركزون على العودة إلى اتفاق الهدنة للعام 1949 يعرفون أنه لولا "اتفاق القاهرة" وحروب المنظمات الفلسطينية من على أرض لبنان وحروب "حزب الله" المرتبط بالحرس الثوري الإيراني، لبقي اتفاق الهدنة ساري المفعول. واللعبة بين أمیركا وإيران سواء في الحرب أو المفاوضات أكبر بكثير من الرهان على التصور أن الوجه الثاني لحرب إسناد إیران، هو إسناد لبنان في المفاوضات لضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
أما "عسكرة" طائفة، فإنها مشكلة حقيقية للطائفة نفسها، وللبنان وبقية الطوائف. وأما "التمترس" خلف طائفة في رفض موقف الدولة، وما يشبه فصلها عن الأكثرية الشعبية والرسمية، فإنه ليس الطريق إلى اتفاق وطني. ولا اتفاق قوامه خضوع الطوائف لموقف طائفة واحدة، ولو كان الارتباط بإيران شكليًا. والانقسام أخطر من أي وقت مضى، إلى حدّ أن الخطاب بين الشركاء في الوطن يبدو كأنه خطاب بين أعداء. ولا جدوى من تصغير المشكلة، فهي كبيرة. لكن السؤال هو: هل ينجح تطبيق قول الرئيس أيزنهاور: "لكي تحل مشكلة، كبّرها"؟