جوزيف حبيب

سلاح "العنصرية"

3 دقائق للقراءة

لا يُجيد المفلسون فكريًّا سوى توجيه التهم جزافًا بحقّ كلّ من يخالفهم في الرأي، في محاولة يائسة لإثبات أنهم يستطيعون مقارعة الآخرين بحجّة مضادّة. وما السلاح الأمضى، بنظرهم، لشنّ حملات مغرضة ضدّ خصومهم؟ الجواب بسيط: اتهامهم بالعنصرية على نحو ببغائي! صحيح أن وجهة النظر التي يمقتها التافهون تستند إلى حقائق دامغة وبراهين صلبة، بيد أن اصطفافاتهم العقائدية وأحقادهم الموروثة ونواياهم القاتمة لا تسمح لهم بالخروج من أقفاصهم المُهلِكة، التي تبدو لهم، بفعل أوهامهم السرابية، مُزخرفة بألوان زاهية. فمثلًا، عند التمييز بين اللاجئ المستحقّ واللاجئ غير المستحقّ، أو عند تفنيد أخطاء سياسية شائعة، أو عند تصحيح رواية تاريخية مزوّرة، يعمد العنصريون الحقيقيون إلى التكشير عن أنيابهم نصرة لأفكارهم الإلغائية.

أوّل المتضرّرين من اللاجئين غير المستحقّين هم أولئك المستحقّون؛ وأوّل المدافعين عن الهجرة العشوائية وغير الشرعية هم أولئك الذين يتسابقون للدخول إلى الدول المتحضّرة بعقليّة "الغازي"، لا بذهنية الإنسان الساعي نحو الحرّية والكرامة والعدالة. ليس جديدًا توظيف تهمة العنصرية سلاحًا في وجه أصحاب الرؤى النقدية. كيف يتوقّع المؤدلجون الغارقون في بؤسهم من المجتمعات المضيفة أن تتقبّل استقبال أفواج بشرية ترفض الاندماج في منظومتها القانونية والقيمية، بل تعادي ثقافتها وتراثها وكلّ ما تُمثّله، في حين لا يحتمل هؤلاء أيّ صوت معارض، ويسارعون إلى إشهار سيف "العنصرية"، بسذاجة أحيانًا وبخبث في أحيان كثيرة، ضدّ كلّ من يتبنّى موقفًا مغايرًا؟

تكمن مشكلة الاستهلاك الملتوي والمتكرّر لتهمة "العنصرية" في أنه يضرّ بالقضايا المرتبطة فعليًّا بهذه الآفة، ويضعف فعالية تناول المعضلات الحسّاسة وطرح الحلول لها عندما تكون العنصرية هي محور النقاش. هكذا يُحاول العنصريّون التهوين من مخاطرها البغيضة بتحويل تهمتها إلى خنجر في خاصرة محاربيها. ولا غرابة في سلوك أمثال هؤلاء، لكن المثير للغثيان هو نجاحهم في استدراج "الأغبياء المفيدين"، ولا سيّما في الغرب، إلى مستنقعهم النتن، واستغلالهم وتجنيدهم بيادقَ في الصفوف الأمامية في الحرب الثقافية المستعرة. يقف "الأغبياء المفيدون" عند قشور المسألة فحسب، من دون التعمّق في جوهرها، فيغدون دمى متحرّكة في خدمة أجندات فاسدة.

يلجأ الماكِرون إلى ذريعة أن الأفعال الحقيرة ليست حكرًا على المهاجرين، بل يرتكبها أيضًا أفراد من أبناء دول المقصد. ومن ثمّ، يعيبون الحديث عن تجاوزات المهاجرين المارقين والتحذير من مخاطر سياسة "الأبواب المفتوحة". فأيّ منطق معتلّ هذا؟ إن وجود حثالة في أي دولة لا يبرّر استقدام مزيد من أشباههم. إن ضبط ملف اللجوء وتنظيمه ضروريّان لإيصاد المنافذ أمام الدخلاء والرعاع، وإتاحة الفرصة للجديرين الباحثين عن مستقبل أفضل. لا علاقة لهذه القضية بالعنصرية. ليست المجتمعات المستقرّة مضطرّة إلى تحمّل مهاجرين يتبنّون أيديولوجيات رجعية وعنصرية. لا أحاول اختلاق عدوّ وهميّ. وبكلّ تجرّد وموضوعية، يشكّل الغزاة ورعاتهم، والمغفّلون المشدوهون بهم، تهديدًا وجوديًّا لجميع الأحرار أينما كانوا.