أمجد اسكندر

"حراس التناحة"

3 دقائق للقراءة

منذ "اتفاق القاهرة" عام 1969، كانت الدولة اللبنانية الطرف الأضعف بين القوى المؤثرة في الجبهة الجنوبية التي استباحتها المشاريع الخارجية. وفي معرض الكلام عن اتفاق "17 أيار" 1983، لا بد من الإشارة إلى اتفاق آخر حمل التاريخ نفسه قبل عشر سنوات بالتمام، أي عام 1973، هو "اتفاق ملكارت"، الذي حاول تجميل مساوئ "اتفاق القاهرة" أو التخفيف منها، لكنه فشل.

منذ تلك التواريخ، نشأت نظرية واهية يمكن أن نطلق عليها اسم "توازي الانسحابات". فقد رفضت الفصائل الفلسطينية مغادرة الجنوب قبل أن تغادر إسرائيل أرض فلسطين. وبعد الاجتياحين الإسرائيليين عامي 1978 و1982، تبادل نظام الأسد وإسرائيل الذرائع نفسها. دخلت إسرائيل الجنوب بحجة أن الجيش السوري دخل البقاع والشمال، ثم تمدّد لاحقًا إلى بيروت وجبل لبنان. وكان كل احتلال يشترط انسحاب غريمه قبله.

وعندما انسحبت إسرائيل عام 2000، أطلق البطريرك صفير "نداء أيلول"، داعيًا إلى انسحاب جيش نظام الأسد ما دام الجيش الإسرائيلي قد انسحب. ومن حيث لا تدري، تضع هذه الميليشيا نفسها في منزلة المحتل، أسوة بإسرائيل، عندما تتمسّك بمبدأ "توازي الانسحاب".

لقد التزمت إسرائيل بالخروج الكامل من الأراضي اللبنانية في حال تجرّدت الميليشيا من بنيتها العسكرية والأمنية، وسبق لها أن أقدمت على انسحابات كاملة أو جزئية منذ عام 1978. أما الذين رفضوا القرارات اللبنانية والدولية وعصوها على مدى نحو 50 سنة، فهم الفصائل الفلسطينية والإيرانية والسورية.

هناك اليوم ضغط دولي مؤيد للبنان وداعم له، وإذا أضيف إليه الالتزام الإسرائيلي بالانسحاب، كان يُفترض بالميليشيا أن تُظهر "حسن وطنيتها"، فتنزع الذرائع وتُخلي الساحة للجيش اللبناني ليسترد الأرض التي تسبّبت تلك الميليشيا في احتلالها ودمارها وقتل أبنائها وتهجيرهم.

على مدى 50 عامًا، ظل مبدأ "توازي الانسحابات" معطّلا، فيما كانت الدولة، بمؤسساتها، مستباحة بدورها. أما اليوم، فالدولة على طريق استرداد قرارها، مدعومة بغالبية داخلية وخارجية، ولذلك تبدو الميليشيا عارية تمامًا من أي انتماء وطني، خصوصًا عندما تفضّل مذكرة تفاهم بين إيران وأميركا على أي "صيغة إطار" ممهورة بالشرعية اللبنانية، ومن ورائها شرعية دولية عارمة.

فوظيفة السلاح إيرانية، والدليل أن 23 عامًا من هدوء الجنوب لم تكن كافية لتقتنع الميليشيا بتسليم سلاحها، بل تسبّب هذا السلاح، مرة أخرى، في استجلاب الاحتلال من جديد.

غدًا، يدخل الرئيس جوزاف عون البيت الأبيض، وبخلاف ما حصل مع غيره من المسؤولين، سيخرج من اجتماعه مع الرئيس ترامب أقوى مما دخل، حتى لو "شطح" ترامب في كلامه كالمعتاد. سيكون أقوى على مختلف الساحات، وستغدو مسيرة الدولة أكثر قوة، على الرغم من كل الصعاب.

إن ما تطرحه هذه السطور كان ليُعد "صرحًا من خيال" قبل 3 سنوات. غير أن مسيرة استعادة الدولة قرارها لا تواجه سلاح الميليشيا وحده، بل تصطدم أيضًا بمنظومة سياسية وإعلامية اعتادت تعطيل كل مسار تغييري والتشكيك فيه. وعلى هؤلاء ينطبق توصيف المفكر المصري يوسف زيدان: "حراس التناحة"، أي أولئك الذين يحملون السلم بالعرض، لا بحجة أو بديل، بل بالمكابرة والضجيج.

وفي لبنان كثير من هؤلاء: سياسيون وإعلاميون يملكون فائضًا من كراهية الذات، فلا يجدون سبيلا إلى تفريغه إلا عبر التشكيك في كل خطوة تعيد للدولة حضورها وقرارها. لكن مسيرة الدولة ماضية في طريقها، على الرغم من ضجيجهم، ولو كره "حراس التناحة".