د. جوسلين البستاني

وإذا ابتُليتم بالعمالة... فلا تتهموا الرئيس بالخيانة

4 دقائق للقراءة
القوة التنظيمية نفسها تحوّلت إلى مصدر للانكشاف (إنترنت)

أعاد إعلان السلطات اللبنانية توقيف شخص وُصف بأنه "عميل رفيع المستوى" على صلة وثيقة بـ "حزب الله" فتح النقاش حول طبيعة الاختراقات التي تعرّض لها التنظيم خلال السنوات الأخيرة. ووفقًا للتحقيقات، يُشتبه في أن الموقع الذي شغله أتاح له الوصول إلى معلومات أمنية بالغة الحساسية، يُرجّح أنها أسهمت في تنفيذ عمليات استهدفت قيادات بارزة خلال عام 2024، بينهم فؤاد شكر وإبراهيم عقيل.

ويُعتقد أن القضايا التي كُشف عنها لا تمثّل سوى جزء محدود من حالات الاختراق. لكن أهمية هذه التطورات لا تكمن في عدد العملاء فقط، بل في السؤال السياسي الذي تطرحه: ماذا يبقى من خطاب التخوين الموجّه إلى أعلى مستويات الدولة، عندما تتعرّض الجهة التي بنت جزءًا كبيرًا من شرعيتها على التفوق الأمني لاختراقات بهذا الحجم؟

فالأمن بالنسبة إلى "حزب الله" لم يكن مجرد وظيفة عملياتية، بل شكّل أحد أهم مصادر شرعيته السياسية. وقد قدّم نفسه لسنوات باعتباره أكثر انضباطًا وكفاءة من مؤسسات الدولة، وأكثر قدرة على حماية لبنان، وهو ما شكّل أحد مبررات احتفاظه بجهاز أمني وعسكري مستقل.

لكن هذا النموذج تبدّل مع تحوّل "حزب الله" من تنظيم سري محدود إلى تنظيم سياسي وعسكري إقليمي واسع. فالتنظيمات العقائدية تعتمد في بداياتها على الالتزام الفكري كآلية للثقة والفرز الأمني، انطلاقًا من افتراض أن المؤمن بالقضية أقل ميلا إلى خيانتها. غير أن التوسع يفرض منطقًا مختلفًا؛ إذ تتحوّل التنظيمات تدريجيًا إلى مؤسسات بيروقراطية تحتاج إلى الخبرة بقدر حاجتها إلى الولاء، وتتّسع معها دائرة الأفراد الذين يمتلكون مستويات متفاوتة من الوصول إلى المعلومات الحساسة.

وهنا تكمن المفارقة: فالقوة التنظيمية نفسها تحوّلت إلى مصدر للانكشاف. وكلما توسّعت البنية التنظيمية وتعاظمت قدراتها، اتّسعت أيضًا دائرة الاطلاع على المعلومات السرية، وازدادت البنية الداخلية تعقيدًا، بما يخلق فرصًا أكبر للاختراق. إنها معضلة "الدولة داخل الدولة": فالتنظيم الذي نشأ لتجاوز نقاط ضعف الدولة وجد نفسه، مع تحوّله إلى مؤسسة واسعة، ينتج الهشاشات التي لطالما نسبها إليها.

ويزداد هذا الخطر عندما يتطوّر الشعور بالتفوق إلى يقين بعدم القابلية للاختراق. فالتنظيمات التي تراكم عناصر القوة تقع في فخ الثقة المفرطة، ما يضعف قدرتها على مراجعة افتراضاتها الأمنية والانتباه إلى المؤشرات التي تنذر بوجود خلل. وقد أفرز تراكم القوة منذ عام 2008، إلى جانب النفوذ السياسي والعسكري الواسع، شعورًا متزايدًا بالثقة بالنفس تحوّل بدوره إلى نقطة ضعف. والتاريخ الاستخباراتي يثبت أن الإفراط في الاطمئنان قد يكون مدخلا إلى أخطر الاختراقات، لأنه يقلّل من الاستعداد لمراجعة الذات وتوقّع المفاجآت.

لذلك، لم تكن قضية محمد شوربا عام 2014 سوى أول مؤشر علني على هذا التبدّل. وقد وُصف شوربا بأنه مسؤول بارز في جهاز الأمن الخارجي، يتمتع بإمكانية الوصول إلى ملفات العمليات الخارجية، كما اعتُبرت قضيته أخطر اختراق أمني تعرّض له "حزب الله" منذ تأسيسه. ثم جاءت العمليات الإسرائيلية عام 2024 لتنقل النقاش إلى مستوى مختلف، بعدما أثار استهداف قيادات بارزة ومنشآت وشبكات اتصال تساؤلات حول طبيعة المعلومات التي أتاحت تنفيذها، وما إذا كان التفوق التكنولوجي الإسرائيلي وحده كافيًا لتفسيرها، أم أن الأمر يعكس أيضًا اختراقات بشرية داخلية.

وإذا كانت هذه الوقائع تطرح أسئلة حول البنية الأمنية لـ "حزب الله"، فإنها تفتح في الوقت نفسه بابًا لمراجعة خطابه السياسي الذي طالما ربط الاختراقات الأمنية والعمالة بخصومه. وتزداد المفارقة عندما تستمر لغة التخوين تجاه الدولة، بالتزامن مع تداول لوائح عبر مجموعات إلكترونية تتهم شخصيات عامة بالعمالة، في حملة أثارت تساؤلات حول الجهات التي تقف خلفها. أما النفي الإعلامي الصادر عن "حزب الله" فلا يكفي وحده، لأن المسألة لا تتعلق فقط بصحة هذه الادعاءات، بل أيضًا بالمسؤولية عن تأثيرها في المناخ العام.

في المحصلة، يصطدم خطاب "حزب الله" اليوم بواقع مختلف فرضته التطورات الأخيرة. فبعد أن بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته على التفوق الأمني، وجد نفسه أمام اختراقات ساهمت في اغتيال عدد من أبرز قادته، بينهم أمينه العام، وإفشال عمليات عسكرية خطّط لها في سرية تامة.

ولم يكن ذلك مجرد خلل أمني عابر، بل كشف عن تحديات مرتبطة بالتحوّل البنيوي الذي شهده هذا التنظيم العقائدي، وأضعف أحد أهم الأسس السياسية التي يستند إليها لتبرير استقلاله الأمني والعسكري. ومن كشفت الوقائع عن وجود حالات عمالة في صفوفه، لا يملك المصداقية الأخلاقية التي تخوّله توجيه تهم الخيانة إلى الآخرين.