عيسى يحيى

بعد سقوط نظام الأسد: ماذا تغيّر في بعلبك الهرمل؟

3 دقائق للقراءة

لم تقف التحولات الإقليمية عند حدود سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث أعيد معها رسم خرائط النفوذ، وتعريف وظيفة الجغرافيا نفسها. ولأن التغيير لم يكن حدثًا يخص سوريا وحدها، كان نقطة تحول في البيئة السياسية والاقتصادية المحيطة، حيث تقف بعلبك الهرمل بحكم الجغرافيا أمام عتبة التغيير، ليس من نافذة القوة السياسية، بل من بوابة الحدود والاقتصاد والأولويات.

دخلت بعلبك الهرمل مرحلة مختلفة منذ سقوط نظام الأسد، وتسلم الإدارة السورية الجديدة الحكم، وإن لم تتغير موازين القوى السياسية فيها. فالتحول الحقيقي لا يقاس بنتائج الانتخابات، بل بالبيئة التي تتحرك فيها السياسة، فما كان يحكم المحافظة خلال العقد الماضي لم يعد هو نفسه الذي سيرسم مستقبلها في السنوات المقبلة، ومن تحكم بالحدود واقتصاد التهريب مدعومًا بعلاقاته مع النظام الهارب، تراجع إلى الخلف مقابل تقدم الدولة.

لسنوات طويلة ارتبط إسم بعلبك الهرمل بملفات الأمن والحدود والتهريب، وكأن قدرها أن تختزل بهذه العناوين وحدها، لكن المتغيرات الإقليمية تفرض اليوم مقاربة مختلفة، فالمحافظة تقف أمام مرحلة قد تعيد رسم دورها، لا باعتبارها خاصرة أمنية للبنان فحسب، بل بوابة اقتصادية وجغرافية يمكن أن تتحول إذا أحسن التعامل معها إلى فرصة بدل أن تكون عبئًا.

لم تعد الحدود مجرد خط يفصل بين دولتين، وملفًّا أمنيًّا فقط، بل أصبحت عنوانًا لسيادة الدولة وقدرتها على إدارة معابرها وحركة التجارة فيها، بعدما تراجع النموذج الذي حكمها لسنوات، وبعد أن فرضت المرحلة الماضية واقعًا استثنائيًّا إلى جانبي الحدود تحكمت به قوى الأمر الواقع. وشكل ملف التهريب بالنسبة إلى كثيرين جزءًا من اقتصاد الظل الذي فرضته ظروف غياب الدولة، واستفادوا منه لسنوات. ومع تغير النظام في سوريا وانعكاسه على لبنان، ولا سيما بعلبك الهرمل، يدخل الاقتصاد اليوم مرحلة مختلفة، حيث يواجه واقعًا جديدًا مع تشدد الرقابة وتبدل البيئة السياسية على جانبي الحدود. وهذا لا يعني اختفاءه بين ليلة وضحاها، لكن استدامته باتت أصعب، وأن الاقتصاد المشروع بات يملك فرصة لم تكن متاحة سابقًا، ومعه تتحول بعلبك الهرمل من خاصرة أمنية إلى بوابة اقتصادية إذا أحسنت الدولة إستثمار هذه الفرصة.

أما سياسيًّا، فإن التحوّل لا يقل أهمية، حيث تبدلت الأولويات داخل البيئة السنية في بعلبك الهرمل، إلا أن هذا التحوّل لم يذهب في الاتجاه الذي توقعه كثيرون. فالتأييد الواسع للثورة السورية، ثم الترحيب بسقوط النظام وشد الأزر بالرئيس الشرع، لم يتحوّل إلى حالة سياسية تدفع نحو الارتهان لسوريا الجديدة، أو البحث عن أدوار خارج الحدود. على العكس أعادت هذه التحولات توجيه الاهتمام نحو الداخل اللبناني، حيث باتت قضايا الدولة والشراكة في قرارات المحافظة وتمثيلها تتقدم على كل الخطابات. كذلك كشفت المرحلة حدود الدور الذي أدته القيادات التقليدية السياسية منها والدينية، واستهلكتها الحسابات الشخصية والانقسامات، حيث كانت ترفع سقف خطابها وتستثمر التحولات بحسب الظروف، ليبدأ البحث عن قيادة جديدة تعيد وصل أبناء المنطقة بالدولة، وتنتج مشروعًا سياسيًّا وإنمائيًّا.

قد تبقى الأسماء نفسها، وموازين القوى على حالها، لكن المجتمعات لا تنتظر السياسيين حتى تتغيّر، ومن يعتقد أن معادلات الأمس ستبقى صالحة للغد يخطئ في قراءة التاريخ قبل أن يخطئ في قراءة السياسة. أما بعلبك-الهرمل، فلم تعد تحتاج إلى من يكرّر الخطابات القديمة، بل إلى من يملك شجاعة الانتقال بها من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة المستقبل.