في وقت تضع الحكومة إصلاح الاتصالات في صلب أولوياتها، يعود ملف إعادة هيكلة القطاع إلى واجهة النقاش، باعتباره أحد أبرز المرافق العامة القادرة على رفد الخزينة بإيرادات مستدامة وتعزيز مسار التحول الرقمي. إلا أن أي عملية إصلاح تبقى رهنًا بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين تحديث البنية الإدارية والتشغيلية من جهة، والحفاظ على استمرارية المرفق العام وصون حقوق العاملين من جهة أخرى.
تصاعدت في الأيام الأخيرة مواقف نقابة موظفي وعمال هيئة "أوجيرو"، التي ترى أن مسار الإصلاح المطروح يحتاج إلى ضمانات تشريعية وقانونية تسبق أي انتقال إلى شركة "ليبان تيليكوم". وبين تأكيد الدولة المضي في تنفيذ خطتها الإصلاحية، وتمسك الموظفين بحماية حقوقهم المكتسبة، يبرز السؤال الأساسي: كيف يمكن تحديث قطاع الاتصالات من دون تعريض استقراره التشغيلي أو حقوق العاملين فيه للاهتزاز؟
توضح رئيسة نقابة موظفي أوجيرو، إميلي نصار لـ "نداء الوطن"، أن "النقاش القائم اليوم يتمحور حول تنفيذ القانون الرقم 431 الصادر عام 2002"، مشيرة إلى أن "وزير الاتصالات آنذاك دعا عام 2014 إلى تحديث هذا القانون، ولا سيما المادة 49 المتعلقة بحقوق الموظفين، تماشيًا مع التطورات التي شهدها قطاع الاتصالات". وتقول: "إذا كان القطاع قد تطور بين عامي 2002 و2014، فأين أصبح اليوم في عام 2026 بعد كل هذا التقدم؟".
حلول تشريعية
وتؤكد نصار أن "موظفي أوجيرو يدعمون مسار التطوير ويتطلعون إلى مؤسسة أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات"، إلا أن ذلك، بحسب تعبيرها، "لا يُمكن أن يكون على حساب الحقوق المكتسبة للعاملين". وتضيف: "نحن بحاجة إلى حلول وتشريعات قانونية تكفل انتقال الموظفين إلى شركة تقوم على أسس ثابتة ومتينة، بما يضمن استمرارية العمل وديمومته. فأي انتقال لا يُواكبه إطار قانوني يحفظ الحقوق لا يمكن أن يبني الثقة، ولا يمكن لدولة أن تطلب منا الانتقال اليوم على أن تمنحنا حقوقنا في وقت لاحق".
وتلفت إلى أن "القانون يبقى الضامن الأساسي لحقوق جميع العاملين في القطاع"، مشددة على أن "النقابة طالبت بتعديل المادة 49 بما يصون سنوات الخدمة والتعويضات والمستحقات وسائر الحقوق المكتسبة".
"فئة المياوم"
وفي ما يتعلق بالموظفين المياومين، تشير نصار إلى أن "المادة 49، عند إقرارها عام 2002، لم تكن تأخذ هذه الفئة في الاعتبار، في حين أن أقل مياوم اليوم أمضى نحو تسع سنوات في المؤسسة، فيما تتراوح سنوات خدمة آخرين بين 20 و22 عامًا"، معتبرة أن هذه "الفئة تستوجب تسوية قانونية عادلة تحفظ حقوقها".
وتجدّد التأكيد على "تمسك الموظفين بالحفاظ على قطاع الاتصالات"، مُعربة عن "أملها في انتقال المؤسسة إلى "ليبان تيليكوم"، على أن ترتكز الشركة الجديدة إلى أسس متينة تكفل استمرارية العمل وتحمي حقوق العاملين"، معتبرة في الوقت نفسه أن "مرسوم إنشاء "ليبان تيليكوم" يحتاج إلى تطوير وتحديث بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الراهنة".
هل من تصعيد؟
عن التحرّكات المُقبلة وإمكان اللجوء إلى التصعيد، تكشف نصار أن "رئيس الجمهورية طلب الأسبوع الماضي، رعاية لقاء حواري يجمع وزير الاتصالات وموظفي أوجيرو بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية". وتقول: "احترامًا لمقام رئاسة الجمهورية، سننتظر إلى حين الوصول إلى برّ الأمان عبر إقرار الحلول التشريعية المطلوبة".
وحول الخطوات التي قد تتخذها النقابة في حال تعذر التوصل إلى هذه المطالب، تؤكد أن "القرار يعود إلى المجلس التنفيذي مجتمعًا، مضيفة: "كل شي وارد و"كل شي بوقتو حلو"".
وتختم بالتشديد على أن "هدف الموظفين يتمثل في تطوير قطاع الاتصالات والحفاظ عليه"، مشيرة إلى أنهم "يؤمّنون استمرارية المرفق العام على مدار الساعة"، ومعتبرة أن "ما يُتداول عن ارتفاع رواتبهم لا يعكس الواقع، إذ إن هذه الرواتب فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها الفعلية ولم تعد حتى اليوم إلى مستواها السابق".
يبقى مستقبل قطاع الاتصالات مُرتبطًا بقدرة الدولة على تحويل الإصلاح إلى مشروع متكامل، لا يقتصر على إعادة رسم الهيكلية الإدارية، بل يؤسس لقطاع أكثر كفاءة واستدامة. فالمعادلة التي يفرضها الواقع اليوم لا تضع الإصلاح وحقوق الموظفين في مواجهة بعضهما، بل تجعل نجاح الأول مرهونًا بضمان الثانية، لأن أي انتقال يفتقر إلى الوضوح القانوني والتوافق المؤسساتي قد يفتح الباب أمام إشكاليات جديدة، في حين أن الإصلاح القائم على الحوار والضمانات يبقى الأكثر قدرة على حماية القطاع وتعزيز دوره الاقتصادي.