أمل شموني

من بغداد... ينفرط عقد "المحور الإيراني"

9 دقائق للقراءة
واشنطن

أعادت الزيارة الرسمية الأولى لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن الأسبوع الماضي صياغة جوهر ورمزية العلاقات الأميركية - العراقية، ما مهّد الطريق لحقبة جديدة في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. وقد تمحورت الزيارة حول قضيتين مترابطتين: تعهّد العراق بنزع سلاح الميليشيات، وإعادة تفعيل خطّ نفط كركوك - بانياس. وهي خطوات تحمل تداعيات عميقة على لبنان والمنطقة الأوسع. فبينما تشرع كل من الولايات المتحدة والعراق وسوريا في هذا المسار الطموح لإعادة ترتيب الأوراق، فإن الرهانات المتعلّقة بمستقبل لبنان السياسي والاقتصادي، ولا سيّما في ما يخصّ "حزب الله" والنفوذ الإيراني، تبدو أعلى من أي وقت مضى.

وضع الزيدي قضية نزع سلاح الميليشيات في صلب أجندة زيارته إلى واشنطن. وخلال اجتماعاته مع الرئيس دونالد ترامب، ومسؤولين أميركيين، ومسؤولين في قطاع الأعمال الأميركي، قطع تعهّدًا قاطعًا قائلا: "يتمثّل برنامج الحكومة في حصر حيازة السلاح بيد الدولة. سنتعاون مع من يسلّمون أسلحتهم... ولن نسمح لأي جهة بخلاف الدولة بحمل السلاح". ورأت مصادر أميركية أن هذا الإعلان لا يُعدّ مجرّد خطاب سياسي، خصوصًا أن بغداد حدّدت موعدًا نهائيًا صارمًا: بحلول 30 أيلول 2026، يتعيّن على كلّ الميليشيات تسليم أسلحتها. ويتزامن هذا الجدول الزمني مع الانسحاب المقرّر للتحالف الدولي المناهض لتنظيم "داعش" بقيادة أميركا، ما يبرز مدى إلحاح وجدّية هذه الجهود.

وقد أخطرت حكومة الزيدي الجماعات المسلّحة بالفعل، وحذّرت من العواقب القانونية لأي مخالفات، كما تحرّكت لقطع الروابط التنظيمية بين الفصائل الموالية لإيران وقوات "الحشد الشعبي". ورغم أن بعض الجماعات، بما في ذلك "سرايا السلام" و"عصائب أهل الحق"، قد بدأت بالفعل في تسليم أسلحتها، إلا أن الولاءات الراسخة وحالات مقاومة القرار لا تزال تشكّل تحديات قائمة.

وبالنسبة إلى واشنطن، اعتبر مصدر دبلوماسي أن هذه المبادرة تمثّل اختبارًا حقيقيًا لسيادة العراق وشرطًا مسبقًا لمزيد من التعاون الأمني والاقتصادي. وكان وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث صريحًا في قوله: "يجب على العراق أن يفرض سيادته ويُجرّد الميليشيات المتحالفة مع إيران من سلاحها"، كشرط للحصول على مساعدات عسكرية موسّعة وشراكات اقتصادية. كما صرّح المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك بأن "التحدّي الذي يواجهه هذا القائد الشاب (الزيدي) الآن يتمثّل في كيفية إعادة توحيد هذه القبائل والأديان والأفكار والثقافات المختلفة في إطار من الشفافية والانسجام... فما تحتاجه هذه المنطقة هو قادة أقوياء يتمتّعون بالوضوح والشفافية والقوّة التي تحقّق الازدهار". وقالت مصادر قريبة من البيت الأبيض إن الرهانات واضحة، فتقدّم العراق في ملف نزع السلاح سيحدّد بشكل مباشر مسار شراكته الأمنية مع أميركا، وآفاق جذب الاستثمارات، ونجاح مشاريع الطاقة الكبرى التي يتبناها.

تمثّل الإنجاز الأبرز لزيارة الزيدي في الاتفاق الرسمي على إعادة تأهيل خط أنابيب النفط الخام الرابط بين كركوك وبانياس. وكان هذا الخط يومًا ما شريانًا حيويًا لنقل النفط الخام العراقي إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط، لكنه ظلّ متوقفًا عن العمل منذ عام 2003، إثر عمليات إغلاق متكرّرة وأضرار جسيمة لحقت به من جرّاء الحرب. وتُشير عملية ترميم الخط، التي يشرف عليها تحالف دولي تقوده شركات أميركية، وفي مقدّمتها "شيفرون"، إلى إعادة توجيه استراتيجية لمسارات تدفّق الطاقة في المنطقة.

وقد أشاد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بالاتفاق، واصفًا إيّاه بأنه "محطة فارقة" و"نقطة تحوّل في علاقة بالغة الأهمية"، ومؤكدًا نهج واشنطن الجديد بالقول: "تتمثّل أهدافنا في الشرق الأوسط في تحويل منطقة مزّقتها الصراعات الكثيرة، واستبدال ذلك بالتجارة والتبادل التجاري بين دول المنطقة وأميركا... هناك مجال واسع لتحقيق تحسّن في العراق، وذلك من خلال زيادة إنتاج النفط، وتقليل الاعتماد على الجيران المعادين، وجلب الحرّية والازدهار ووفرة الطاقة للشعب العراقي. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال قطاع الأعمال... وجلب التكنولوجيا والكوادر البشرية إلى العراق لدفع عجلة هذا التحسين وتعميق هذه الشراكة الاستراتيجية".

ومن المتوقّع أن ينقل خط الأنابيب، بعد إعادة تأهيله، ما يصل إلى مليوني برميل يوميًا، أي ستة أضعاف طاقته الأصلية، ما يتيح للعراق وصولا مباشرًا إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، ويقلّل من اعتماده على مضيق هرمز الذي تحيط به المخاطر. وبالنسبة إلى سوريا، يوفّر المشروع إيرادات عبور تشتدّ الحاجة إليها، ويُتيح تطبيعًا اقتصاديًا، ويمنحها دورًا كمركز إقليمي للطاقة. ورغم ضخامة التحدّيات الفنية والمالية والسياسية، إلا أن التزام الشركات الأميركية وآفاق التمويل متعدّد الأطراف قد منحا المشروع زخمًا جديدًا.

وقال دبلوماسي أميركي: "إن إحياء خطّ النفط هذا لا يمثّل مجرّد قصة اقتصادية، بل يُعدّ ركيزة أساسية في استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى تجاوز المسارات الخاضعة للسيطرة الإيرانية وتقليص اعتماد بغداد على طهران". وأضاف أن المشروع يمثّل بالنسبة إلى العراق تأكيدًا على الاستقلالية الاستراتيجية، وفرصة لتنويع مسارات التصدير وتعزيز موقفه التفاوضي. أمّا بالنسبة إلى أميركا، فيُعدّ هذا الأمر وسيلة لترسيخ مكانة العراق ضمن إطار إقليمي متحالف مع واشنطن، ما يعزّز أمن الطاقة والتكامل الاقتصادي.

غير أن التأثير لا يقتصر على العراق وسوريا. فبحسب الدبلوماسي الأميركي، "بات مصير لبنان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنجاح أو فشل أجندة الزيدي المزدوجة، التي تهدف إلى نزع السلاح وتحقيق التحديث الاقتصادي. ولعلّ مستقبل "حزب الله" هو المجال الأبرز الذي تتجلّى فيه هذه العلاقة بوضوح". وتساءلت مصادر أميركية عن العلاقة بين مساعي بغداد لنزع السلاح ومعضلة بيروت، قائلةً: "كيف تضع حملة العراق الصارمة "حزب الله" على المحك؟". وأوضحت هذه المصادر أنه لطالما شكّلت علاقة "حزب الله" بالميليشيات العراقية ركيزة أساسية لما يُعرف بـ "محور المقاومة"، وذلك بدعم وتسهيل من إيران. وقد عزّزت هذه الروابط قدرات "حزب الله" ووسّعت نطاق نفوذه إلى ما وراء الحدود اللبنانية، ما أدّى إلى تشكيل شبكة عابرة للحدود من الجماعات المسلّحة التي تعمل بقدر من الاستقلالية عن دولها.

وأكدت هذه المصادر أن حملة الزيدي لنزع سلاح الميليشيات العراقية "تشكّل تهديدًا مباشرًا لهذه المنظومة". ففي حال نجاح بغداد، قد يفقد "حزب الله" ليس فقط مصادر التعزيزات وشركاء التدريب، بل أيضًا عمقًا استراتيجيًا حيويًا. لذا، من شأن إنهاء استقلالية الميليشيات المسلّحة في العراق أن يحدّ من قدرة "الحزب" على استعراض قوّته إقليميًا ومحليًا وفي مواجهة إسرائيل.

واعتبرت مصادر أن حملة نزع السلاح في العراق هي سابقة معيارية يتردّد صداها في النقاشات الدائرة داخل لبنان. ولفتت إلى أنه في عام 2025، رفض الرئيس جوزاف عون صراحةً فكرة إنشاء قوّة في لبنان على غرار قوات "الحشد الشعبي"، ما يعكس تزايد المعارضة لفكرة إضفاء الطابع المؤسّسي على الجهات المسلّحة غير التابعة للدولة. وقالت هذه المصادر الأميركية إن تصريحات الزيدي، التي يؤكد فيها أن "حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرّد شعار، بل سياسة يجري تنفيذها بالفعل"، باتت تُستخدم كمرجع من قبل أطراف أميركية ولبنانية.

ورأت مصادر في وزارة الخزانة الأميركية أن استراتيجية واشنطن، التي تربط الاستثمار والشراكة بإصلاحات أمنية ملموسة، تقدّم نموذجًا يمكن تطبيقه في لبنان. فإذا أثمرت حملة بغداد عن تحقيق الاستقرار وجذب الاستثمارات وإنعاش الاقتصاد، فإن ذلك سيعزّز الحجّة الداعمة لسلطة الدولة ويضعف سردية "المقاومة" التي يتبنّاها "حزب الله". وفي المقابل، لم تخفِ هذه المصادر مخاوفها من أن يمنح الفشل "حزب الله" وإيران مزيدًا من الجرأة، ويعزّز مزاعمهما بأن نزع السلاح أمر غير واقعي وينطوي على مخاطر.

وبالعودة إلى خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي يُعدّ أكثر من مجرّد مشروع للطاقة، أفادت مصادر في وزارة الطاقة الأميركية بأن جدواه يعتمد على قدرة العراق على ضمان الأمن وحماية البنية التحتية والوفاء بوعوده المتعلّقة بنزع السلاح. وأشار عدد من روّاد الأعمال الأميركيين إلى أنهم طالبوا الزيدي بتحقيق الاستقرار، وهم يترقّبون ما إذا كانت بغداد قادرة على حماية هذا الخطّ من أعمال التخريب أو تدخّل الميليشيات.

أمّا بالنسبة إلى بيروت، فقال دبلوماسي أميركي إن نجاح خط الأنابيب قد يعني تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي وخلق فرص جديدة للتجارة والتنمية، شريطة أن يتمكّن المشهد السياسي الداخلي في لبنان من التكيّف مع هذا الوضع. ومع ذلك، أضاف الدبلوماسي الأميركي أن استقلالية "حزب الله" ونفوذ إيران يظلان عقبتين رئيسيتين أمام مشاركة لبنان في هذا النظام الناشئ. ويشكّل هذا التوافق بين أميركا والعراق وسوريا نقيضًا صارخًا لحالة الاضطراب والعنف التي تكرّسها هيمنة الميليشيات.

في المحصّلة، تمثّل زيارة الزيدي إلى واشنطن محطّة مفصلية للعراق والمنطقة ككلّ. ويُعدّ الموعد النهائي المحدّد في 30 أيلول لنزع سلاح الميليشيات اختبارًا حاسمًا، ليس لبغداد فحسب، بل لمستقبل النظام الإقليمي الممتد من العراق إلى لبنان. وتجسّد إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك - بانياس المنطق الجديد للشراكة بين أميركا والعراق: تحقيق الازدهار من خلال الأمن، وتحقيق الأمن من خلال سيادة الدولة. وكما قال برّاك: "القطاع الصناعي هو الذي يقود الطريق، بينما تأتي الدبلوماسية - وحتى الدول القومية - في المرتبة التالية". وستكشف الأشهر المقبلة عمّا إذا كانت وعود الشراكة والإصلاح والانتعاش الاقتصادي قادرة على التغلّب على المصالح الراسخة للماضي. ومن بغداد إلى بيروت، ستحدّد النتيجة ملامح الفصل المقبل في تاريخ الشرق الأوسط.