الدكتور سايد حرقص

هل تسبق صواريخ "الإسناد الثالث" طائرة الرئيس في عودتها إلى بيروت؟

4 دقائق للقراءة

في عالم السياسة والحروب، لا وجود للصدف الجغرافية أو الزمنية؛ فكل حركة في الميدان هي سطر في كتاب المصالح والتفاوض. واليوم، فيما تترقب الأوساط السياسية نتائج زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى الولايات المتحدة، يبرز السؤال الذي يؤرق اللبنانيين: هل يكون "الإسناد الثالث" لإيران، عبر "حزب الله"، الرسالة المشفرة بالنار التي ستُرسل إلى الرئيس خلال وجوده في واشنطن؟

لم يعد الخوف مجرد هاجس اقتصادي أو معيشي، بل تحول إلى ترقب مقلق لسيناريو قد يُراد فيه للجنوب، وللبنان، أن يدفع مجدداً فاتورة صراع الكبار من أمنه واستقراره ومستقبل شعبه.

لقد تجاوزت كلمة "الإسناد" في قاموس المحاور مفهوم الدعم العسكري التقليدي، لتتحول إلى أداة ضغط سياسية ودبلوماسية بالغة القسوة. وفي هذا التوقيت الحساس، قد يكتسب هذا المصطلح أبعاداً أكثر خطورة، ترتبط مباشرة بالحراك الرئاسي اللبناني في العاصمة الأمريكية.

أولاً: تجريد الرئيس من أوراقه التفاوضية. فإذا فُتحت جبهة "الإسناد الثالث" بالتزامن مع المحادثات اللبنانية–الأمريكية، فإن الرسالة ستكون واضحة: قرار السلم والحرب ليس في قصر بعبدا، بل في طهران.

ثانياً: رسالة ردع بالوكالة. فكما توحي تصريحات مسؤولي "حزب الله" وما يُتداول في أوساط بيئته الحاضنة، ينظر حزب الله ومن ورائه طهران إلى هذه الزيارة باعتبارها محاولة لإعادة رسم توازنات جديدة أو للحصول على ضمانات أمريكية للبنان، ما قد يدفعها إلى إعطاء الضوء الأخضر لـ"الإسناد الثالث"، ليس بهدف تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل كورقة ضغط تؤكد أن أي ترتيبات إقليمية لا يمكن أن تتجاوز النفوذ الايراني في لبنان.

منذ توقيع إتفاقية القاهرة سنة 1969 اعتاد اللبنانيون أن يكونوا أول من يدفع ثمن تفاهمات الكبار وخلافاتهم، لكن ما يزيد المشهد خطورة اليوم هو أن أي رسالة تُكتب بالنار قد لا تكتفي بإحراق الجنوب، بل قد تمتد لتقضي على ما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية المنهكة.

وتكمن المفارقة المأساوية في التباين الصارخ بين أجندة الزيارة الرئاسية وواقع الميدان.

وصل الرئيس اللبناني إلى الولايات المتحدة حاملاً ملفات وطن مثقل بالانهيار المالي، والبنية التحتية المدمرة، وأزمة النزوح، آملاً في حشد دعم دولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنه، في المقابل، يفتقد إلى القدرة التنفيذية الكاملة لفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها، ما يجعله في موقع تفاوضي بالغ الحساسية إذا ما انفجرت الجبهة فجأة أثناء زيارته.

في المقابل، قد يتحرك "حزب الله"، انطلاقاً من مفهوم "وحدة الساحات"، مع تجدد الغارات وتصاعد الضغوط الأمريكية على إيران، لتفعيل "الإسناد الثالث" باعتباره وسيلة لتخفيف الضغط عنها. والخطورة هنا أن توقيت أي تصعيد لن يراعي المصالح اللبنانية أو الظرف الدبلوماسي، بل قد يتحول إلى صاعق ينسف أي محاولة لتقارب لبناني–أمريكي.

لهذا، تخشى أروقة القرار في بيروت من أن يستيقظ الرئيس اللبناني في مقر إقامته بواشنطن على وقع اندلاع مواجهة جديدة، فيتحول جدول أعماله الدبلوماسي إلى اجتماعات طارئة لمتابعة التطورات الأمنية، وبيانات استنكار، وخطط لإدارة أزمة نزوح جديدة.

إنّ الخوف اليوم ليس من فشل المحادثات الدبلوماسية في واشنطن، بل من أن تسبق صواريخ "الإسناد الثالث" طائرةَ الرئيس في عودتها إلى بيروت. وهنا يبرز سؤالان أساسيان: هل لا يزال حزب الله يملك القدرة الفعلية على إطلاق صواريخ إلى عمق إسرائيل؟ وهل يمكن أن يُقدم بنيامين نتنياهو على الادعاء بأن حزب الله أطلق صواريخ، لاتخاذ ذلك ذريعةً للمضي في تنفيذ خططه المرسومة تجاه علي الطاهر والنبطية وصور؟

لبنان لا يحتاج إلى رسائل نارية تُكتب بدماء أبنائه لتحسين شروط تفاوض الآخرين، بل يحتاج إلى شجاعة وطنية تعيد قرار السلم والحرب إلى المؤسسات الدستورية والشرعية.

ويبقى الغد مفتوحاً على كل الاحتمالات: هل يعود الرئيس حاملاً دعماً دولياً يساهم في حماية لبنان من الانهيار، أم تسبقه رسالة "الإسناد الثالث" لتؤكد، مرة جديدة، أن جغرافيا الصراع ما زالت أقوى من إرادة الدولة، وأن لبنان لا يزال صندوق بريد تُحرق رسائله ليحقق الآخرون مكاسبهم؟