يتناول فيلم All the Money in the World (كل أموال العالم) للمخرج رايدلي سكوت قصة خطف طويلة لكن مشوّقة. يتمحور الفيلم حول ثلاث شخصيات رئيسية: ميشيل ويليامز بدور "غيل هاريس"، أم وريث عائلة "غيتي" المخطوف، وتشارلي بلامر بدور الوريث "جون بول غيتي الثالث"، وكريستوفر بلامر بدور جدّ الشاب المخطوف، "جون بول غيتي"، الذي يكون أغنى رجل في العالم عند وقوع عملية الخطف.
العمل قوي وممتع حتى في أحلك أحداثه. تتضح الكوميديا السوداء في موقف "جون بول غيتي" من ثروته، فهو أبخل رجل في العالم. من الطبيعي أن يكون هذا الرجل المستهدف الحقيقي من عملية الخطف بما أن "غيل" هي مجرّد امرأة عزباء من الطبقة الوسطى وبالكاد تستطيع إعالة نفسها بعدما قررت رفض عرض عائلة "غيتي" بتلقي المال مقابل الاحتفاظ بوصاية أولادها غداة طلاقها من ابن الرجل المسنّ الذي كان مدمناً على المخدرات. كانت مدة الفيلم لتقتصر على 10 دقائق لو وافق الجد ببساطة على دفع الفدية التي يطلبها المجرمون مقابل إطلاق سراح حفيده (17 مليون دولار) بدل بذل جهود شاقة لمحاولة تخفيض المبلغ المطلوب.

يملك الجدّ أسبابه الخاصة لرفض الدفع. قد لا تكون هذه الأسباب إيجابية لكنه مقتنع بها. يقول حفيده حين يؤدي دور الراوي في بداية القصة إن الأغنياء لا يشبهون الناس الآخرين لأن المال يشوّه عقولهم. لكنّ سلوك "غيتي" الجدّ يبدو مثيراً للاشمئزاز على مستويات عدة ولا يرتبط بأي سبب قد يدفع المشاهدين للتعاطف معه، لذا يسهل أن نفترض أن المال ليس التفسير الوحيد وراء تصرفاته. لا نعرف إذا كان هذا الجانب العالق والمعقد من شخصيته هو مجرّد إخفاق في السيناريو أو بُعد أضافه سكوت و/أو بلامر عمداً إلى هذا الدور خلال التصوير.
تقدم ميشيل ويليامز من جهتها أداءً جديراً بالثناء حين تضبط "غيل" نفسها أمام برود حماها السابق، فتسمح للمشاهدين بملاحظة غضبها وخيبة أملها تزامناً مع إظهار قوتها عند التعامل مع الجدّ "غيتي" وشركائه. تتمتع هذه المرأة بانضباط مدهش! في المقابل، يتصرف الجد وكأن المسألة هي مجرّد مساومة لشراء سلعة بأقل كلفة ممكنة. قد يتعرّض الحفيد "جون بول الثالث" للقتل أو التعذيب بسبب عناد جدّه الذي يفتخر بنفسه لأنه لم يوافق على العرض الأول ويحاول توفير المال في جميع المجالات، حتى لو اقتصر الأمر على إرسال الغسيل أثناء إقامته في فندق خمس نجوم، فيفضّل غسل أغطيته وتجفيفها بنفسه بدل دفع مبلغ بسيط مقابل هذه الخدمة!
يبدو أداء المخرج سكوت منضبطاً في هذا العمل، فهو يسمح لنجوم الفيلم بالتألق ويرفض إطلاق العنان لقوته الإخراجية الفائقة ويكتفي بعدد صغير من المشاهد المعقدة والمبهرة. يطغى جو من الرتابة على العمل في منتصف الأحداث، فتتكرر مشاهد متشابهة خلال فترات متقاربة. ومع ذلك، يبقى الأداء العام متماسكاً.
على صعيد آخر، يحمل الفيلم نفحة من الحنين. فقد اقتبسه كاتب السيناريو ديفيد سكاربا من كتاب جون بيرسون،Painfully Rich: The Outrageous Fortunes and Misfortunes of the Heirs of J. Paul Getty (غني بشكلٍ مؤلم: الثروات الفاحشة ومصائب ورثة ج. بول غيتي) من العام 1995. لذا يعكس الفيلم أجواء السبعينات، بمعنى أنه يتمحور حول شخصيات واقعية تتعامل مع مواقف صعبة وسهلة التصديق لأنها حصلت فعلاً. تتّضح معالم القصة عبر مشاهد تقليدية بطبيعتها: تم تصوير معظمها في مواقع حقيقية ولها بداية ونهاية. يزيد أسلوب التصوير السينمائي الفضفاض منسوب التوتر، فيجعل المشاهدين يتساءلون طوال الوقت عن التهديدات الخفية التي لا تظهر على الشاشة مباشرةً.
أخيراً، يعكس الفيلم حساً أخلاقياً عالياً ويتّضح ذلك في موقف مخرجه الذي يحافظ على نشاطه مع أنه يبلغ 80 عاماً. طرد المخرج سكوت الممثل كيفن سبيسي الذي كان يُفترض أن يؤدي دور "غيتي" في الأصل قبل شهر من موعد صدور العمل، بعد توجيه تُهَم جنسية ضده، فحذف جميع المشاهد التي صوّرها معه وأعاد تصويرها مع بلامر وأضافها إلى الفيلم النهائي. إنها ملاحظة مهمة لأن العمل النهائي يبدو أفضل مما توقّعه الجميع نظراً إلى التحديات التي واجهها صانعو الفيلم.
لن نستغرب إذا حصد بلامر جائزة أوسكار أخرى عن هذا الدور. إذا حصل ذلك، يُفترض ألا يكون هذا الحدث مجرّد تقدير لجودة العمل رغم ظروفه الغريبة والمؤسفة، بل اعترافاً ببراعة بلامر وشجاعته.