في السياسة الواقعية، لا وجود لما يُعرف بـ"الهبات المجانية". فالعلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق الإحسان، بل بمنطق المصالح. وما يبدو كرماً في الظاهر قد يكون استثماراً بعيد المدى في النفوذ والقرار. لذلك، فإن المال والسلاح والدعم السياسي الذي تقدمه الدول لحلفائها يخضع دائماً لمعادلة الكلفة والعائد، تماماً كما يلقي الصياد طُعمه في الماء، ليس لإطعام السمكة، بل لاصطيادها.
منذ عام 1985، تدفقت إلى لبنان، ولا سيما إلى البيئة الشيعية، مليارات الدولارات الإيرانية، تجسدت في مؤسسات اجتماعية وصحية وتعليمية، ورواتب، ومساعدات، إضافة إلى بناء قوة عسكرية أصبحت اللاعب الأكثر تأثيراً في المعادلة اللبنانية. ومنذ البداية، انقسمت القراءات حول طبيعة هذا الدعم.
فالرواية الأيديولوجية قدّمته بوصفه تعبيراً عن "الأخوّة الإسلامية"، وربطته بما يعتبره بعض الباحثين وفاءً لدور علماء جبل عامل في ترسيخ المذهب الشيعي في إيران خلال العهد الصفوي.
في المقابل، رأت القراءة الجيوسياسية أن هذا الدعم لم يكن سوى جزء من مشروع إقليمي يهدف إلى توسيع النفوذ الإيراني حتى شرق البحر المتوسط. وقد عزز هذا الانطباع ما ورد في "الرسالة المفتوحة" التي أصدرها حزب الله عام 1985، إلى جانب تصريحات متكررة لقياداته أكدت ارتباط الحزب بمبدأ بناء الدولة الاسلامية الخمينية الكبرى التي يرعاها الولي الفقيه.
لكن هذا المشروع في بداياته، لم يحظَ بإجماع داخل الطائفة الشيعية. فقد برزت شخصيات دينية وفكرية حذّرت مبكراً من مخاطر ربط مستقبل الشيعة اللبنانيين بالثورة الايرانية. ومن أبرز هؤلاء الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي دعا إلى اندماج الشيعة الكامل في أوطانهم العربية، وحذّر من الاستقواء بالخارج، معتبراً أن أي مشروع يتجاوز الدولة الوطنية سيقود، في نهاية المطاف، إلى نتائج كارثية على الطائفة والوطن معاً.
وبعد أربعة عقود، تبدو أسئلة كثيرة مطروحة بقوة. فالأزمات الاقتصادية، والانهيار المالي، والحروب المتعاقبة، والعزلة التي عاشها لبنان، دفعت كثيرين إلى إعادة تقييم مسار العقود الماضية.
وزادت تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين، في الآونة الأخيرة، من حدة هذا الجدل، ولا سيما ما قاله رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في مقابلة مع التلفزيون الإيراني، إذ اعتبر أن «لبنان قدّم أربعة آلاف شهيد من أجل إيران الإسلامية»، مضيفًا أن هذا العدد يفوق إجمالي الشهداء الذين سقطوا في الحرب الأخيرة، وأن المقاتلين في لبنان «قاتلوا لمدة 104 أيام، بينما نحن قاتلنا لمدة 38 يومًا». وقد أعادت هذه التصريحات، بما حملته من دلالات مباشرة، إحياء النقاش حول طبيعة العلاقة بين طهران و«حزب الله»، إذ رأى فيها كثيرون إقرارًا علنيًا بأن هذه العلاقة تجاوزت إطار التحالف التقليدي بين طرفين، لتندرج ضمن مشروع إقليمي أوسع تقوده إيران وتُعدّ الساحة اللبنانية أحد أبرز ميادينه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل بدأت شرائح واسعة من الشيعة اللبنانيين تعيد النظر في كلفة هذا الارتباط؟ وهل بدأ يتشكل وعي جديد يوازن بين الاعتبارات العقائدية ومتطلبات الدولة الوطنية؟
يصعب الجزم بالإجابة، لكن المؤكد أن التجربة تركت آثاراً عميقة على لبنان كله. فقد تراجع حضوره العربي والدولي، واستُنزفت طاقات آلاف الشباب في ساحات صراع من سهول سوريا الى مرتفعات اليمن، فيما لم ينجُ أحد من الانهيار الاقتصادي والمالي الذي أصاب البلاد، بما في ذلك البيئة التي كانت تُعدّ المستفيد الأكبر من الدعم الإيراني.
ولعل المفارقة أن السمكة لا تكتشف أن الطُّعم كان فخاً إلا بعدما تصبح خارج الماء.
اليوم، لم يعد النقاش يقتصر على طبيعة العلاقة بين شريحة واسعة من الشيعة اللبنانيين وإيران، بل بات يتجاوز ذلك ليطرح سؤالًا مصيريًا يتعلق بمستقبل لبنان نفسه: هل يستطيع اللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم، إعادة بناء دولة تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، وفقًا للدستور ومؤسساتها الشرعية؟ وهل يمكن استعادة مشروع وطني يضع المصلحة اللبنانية فوق حسابات المحاور الإقليمية وصراعاتها؟ والأهم من ذلك، هل يستطيع من تشكّل وعيه، على مدى عقود، داخل منظومة فكرية عقائدية دينية شمولية، وتربّى على سرديات كبرى تمجّد إمبراطوريات تاريخية ومشاريع تتجاوز حدود الوطن، أن يتحرّر من هذا الإرث الأيديولوجي العميق، وأن يعيد اكتشاف لبنان باعتباره الوطن النهائي والمرجعية الأولى للانتماء؟
وهل يمكنه أن يجعل الانتماء الوطني، بما يعنيه من دولة ومواطنة وسيادة وقرار مستقل وشراكة كاملة مع أخيه في الوطن، مهما اختلف عنه دينيًا أو فكريًا أو ثقافيًا، يتقدّم على أي ولاء عقائدي أو مذهبي أو خارجي ترسّخ في وجدانه منذ الطفولة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد مستقبل طائفة بعينها، بل سترسم ملامح لبنان في العقود المقبلة
قد تختلف الإجابات، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن استقرار لبنان لن يتحقق إلا بقيام دولة قوية، سيدة على قرارها، تحتكر السلاح، وتحافظ على أفضل العلاقات مع محيطها العربي والمجتمع الدولي، بعيداً عن أن يكون لبنان ساحة لتصفية صراعات الآخرين