مروان الأمين

فرصة الدولة وكلفة البدائل

3 دقائق للقراءة

لم تمضِ ساعات على هبوط الطائرة التي أقلّت الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن، وقبل أن يجلس إلى طاولة اللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى كان الاتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، جدّد فيه تأكيد دعم المملكة للبنان، ووجّه إليه دعوة رسمية لزيارة الرياض. لم يكن هذا التزامن صدفة، بل هو دعم سعودي واضح للمسار الذي ينتهجه عون قبل استقباله في البيت الأبيض.

هذا الاحتضان العربي والدولي للسلطة الشرعية يحمل في طياته رسالة تشجيع واضحة للمضي قدماً في مسار استعادة الدولة لدورها الكامل. وهو أيضاً تأكيد أن لبنان لن يكون وحيداً إذا اختار تثبيت سيادته وإعادة بناء مؤسساته على قاعدة احتكار الدولة للسلاح والقرار.

غير أن هذا الدعم ليس شيكاً على بياض. فواشنطن والرياض، تربطان استمرار اندفاعهما تجاه لبنان بما ستنجزه السلطة اللبنانية في المرحلة التالية، وتحديداً في ملف سلاح "حزب الله". فبعد انتهاء زيارة واشنطن، ستتحول الأنظار من المواقف والتعهدات إلى الاختبار العملي لقدرة الدولة على ترجمة التزاماتها إلى خطوات ملموسة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

إلى جانب ما ستحمله زيارة واشنطن، ثمة مجموعة عوامل إقليمية التي تستحق المراقبة في الأسابيع المقبلة، نظراً إلى انعكاساتها المباشرة على المشهد اللبناني.

أهم هذه العوامل، مصير مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، في ظل التصعيد المتواصل بينهما منذ أكثر من عشرة أيام. فمذكرة التفاهم هذه تلقت ضربة قوية، وباتت تترنح، لكنها لم تسقط نهائياً بعد. أما المؤشرات التي ستؤكد انهيارها الكامل، فتتمثل في انتقال إسرائيل إلى الانخراط المباشر إلى جانب واشنطن في استهداف إيران، أو في إعادة فتح جبهة جنوب لبنان على نطاق واسع. عندها، سيكون واضحاً أن مرحلة مذكرة التفاهم انتهت، ودخلت المنطقة مرحلة جديدة.

وفي حال سقوط مذكرة التفاهم، فمن الصعب تصور أن يبقى "حزب الله" بمنأى عن تداعياته. فالهدوء النسبي الذي يشهده الجنوب هو، إلى حد بعيد، من نتائج الضغوط التي مارستها إدارة ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف العمليات العسكرية ضد "الحزب".

أما العامل الثاني الذي لا يقل أهمية، فيتصل بالدور الذي قد يُسند إلى الرئيس أحمد الشرع في أي مقاربة جديدة لملف سلاح "حزب الله". فإذا عجزت الدولة اللبنانية عن الانتقال من المواقف والتعهدات إلى الإجراءات التنفيذية لتفكيك البنية العسكرية لـ"الحزب"، فمن غير المرجح أن تكتفي واشنطن بدور المتفرج أو أن تتعايش مع استمرار الوضع القائم.

في هذا الإطار، تتزايد المؤشرات إلى أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى إسناد المهمة على أطراف خارجية، بحيث تتولى إسرائيل جانباً من المهمة في الجنوب والضاحية، فيما يُناط بالرئيس الشرع التعامل مع "حزب الله" في منطقة البقاع. ولم يعد هذا السيناريو مجرد تكهنات، خصوصاً بعد المواقف المتكررة للرئيس ترامب حول هذا الموضوع، وآخرها خلال لقائه الرئيس جوزاف عون في البيت الأبيض.

وفي المحصلة، لم يعد السؤال ما إذا كان هذا الملف سيُفتح، بل من سيتولى معالجته، وبأي كلفة، ولصالح أي مشروع سياسي. وبين أن يبادر لبنان إلى الإمساك بقراره، أو أن تُفرض عليه حلول من الخارج، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في رسم مستقبل البلاد وموقعها في معادلات المنطقة.