لبنان في مأزق لا سابق له في كل أزماته الصعبة: فقدان اللغة الوطنية والسياسية المشتركة في الخطاب والممارسة. فما بدا فرصة للخروج من مأزق الاحتلال والسلاح بعد انفراد "حزب الله" بحرب لإسناد غزة ثم إسناد إیران، تحوّل الى مأزق أعمق وخطر وجودي. وما جرى تصويره كخلاف حول اتفاق "الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائيل وأميركا هو في الواقع انقسام عميق تفصل بين طرفيه هوة واسعة جدًا غير قابلة للردم. ولا يبدل في الصورة وجود الطرفين في حكومة واحدة. منطق رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والأكثرية الرسمية والشعبية والمدعوم عربيًا ودوليًّا هو أن الإطار خيار مفتوح في المفاوضات المباشرة على إنهاء الحرب واستعادة الأرض وإعادة الإعمار، وبالتالي إنقاذ لبنان وممارسة سيادته. ومنطق "الثنائي الشيعي" وإيران هو أن الاتفاق "خيانة وطنية" تضع لبنان تحت "الوصاية" الأميركية والإسرائیلیة وتدخله في "العصر الإبراهيمي".
والمشكلة ليست فقط في الانقسام الحاد بل أيضًا في أن رهان الدولة على الإطار ورعاية أميركا، ورهان "الثنائي الشيعي" على المفاوضات بين أميركا وإيران هما رهانات على لعبة متحركة محكومة بعدم اليقين. فلا ضمان للحل في لبنان. لا على طاولة المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية برعاية أميركا، ولا على طاولة المفاوضات الأميركية -الإيرانية المهددة بتجدد الحرب. ولن ينام الرئيس دونالد ترامب بلا عشاء إن لم يستطع الضغط على نتنياهو للانسحاب الكامل من لبنان المشروط بنجاح الجيش اللبناني في سحب سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته التحتية. ولن يقلق المسؤولون في إيران إن لم يضمن لهم ترامب انسحاب إسرائيل والتسليم بشروطهم حول الحفاظ على سلاح "الحزب". ألم نتعلم بعد من التجارب المرة أن القوى الإقليمية والدولية توظف الأزمات والمأزق بأكثر مما توظف الحلول إن لم تكن تخدم مصالحها؟
ذلك أن الدولة التي أعلنت استعادة قرار الحرب والسلم، تعرف أن القرار لا يزال خارجها. هو في يد إسرائيل وإیران. وإذا كانت تل أبيب في حاجة إلى ضوء أخضر أميركي لاتخاد قرار الحرب أو القيام بعملية نوعية في جبل علي الطاهر والنبطية، فإن طهران تفضل عادة الحرب بأذرعها في اليمن والعراق ولبنان وغزة قبل أن يجبرها الهجوم الأميركي على الحرب من المركز. والبعض يقول اليوم إن قرار الحرب في يد "حزب الله" وقرار السلم في يد إيران. لكن الشيخ نعیم قاسم في کتاب "حزب الله": المنهج والتجربة" يقول بصراحة : "نحن لا نتخذ قرار الحرب والسلم بأنفسنا بل نعود فيه إلى الولي الفقيه الذي يحدد متى تكون المواجهة واجبًا شرعيًّا"، على أساس "أن شرعية مجلس الشورى في حزب الله من الولي الفقيه".
والإمتحان بسیط: من يستطیع منع "الحزب"من حرب إسناد جديدة إذا تجددت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران؟ وماذا تستطيع الدولة أن تفعله لتطبيق أي اتفاق تصل إليه مع إسرائيل بدعم أميركي، سواء كان إنهاء الحرب أو إنهاء حال العداء أو السلام وبالطبع سحب السلاح غير الشرعي؟ وإذا كانت أميركا وإسرائيل قد تركتا سحب السلاح على عاتق الدولة التي دأبت على القول إن القضية داخلية ويتم حلها بالحوار، فأي حوار يتحدثون عنه من دون لغة وطنية وسياسية مشتركة؟ وإذا كان دور السلاح في نظر إیران و"الحزب" مرتبطًا عضويًا بالولاية والمشروع الإقليمي الإيراني فما معنى الكلام على حل داخلي لقضية داخلية وهي إقلیمیة وحتى دولیة بامتیاز؟
يقول روبرت كابلان إن "اتفاقات الخوف أقوى من اتفاقات الأمل". ولا أحد يعرف أي نوع من الاتفاقات ينتظرنا ولو لم تتجدد الحرب.