الدكتور سايد حرقص

الغضب الشعبي يتحول إلى هاجس داخل السلطة في إيران

3 دقائق للقراءة

في الأنظمة الاستبدادية ذات الطابع الثيوقراطي، لا تكشف التقارير السرية مجرد وقائع إدارية، بل تفضح مكامن القلق الحقيقي التي تؤرق السلطة، وتكشف المخاوف التي تحاول إخفاءها عن الرأي العام. ومن هذا المنطلق، أثار تقرير سري نشره موقع IranWire جدلًا واسعًا في الأوساط الإيرانية، بعدما رسم صورةً تفصيلية لتصاعد القلق الاجتماعي، واتساع رقعة السخط الشعبي، وتزايد المطالب بإحداث تغيير سياسي واقتصادي، في مؤشر يعكس عمق التحديات التي تواجهها القيادة الإيرانية.

 

الوثيقة أعدّها علي ربيعي، المستشار الاجتماعي للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، تحت عنوان "ماذا يريد الإيرانيون؟"، واستندت إلى استطلاع للرأي أجراه مركز "آرا" خلال عام 2026. وتشير الوثيقة إلى وجود فجوة بين شرائح واسعة من المجتمع والمؤسسات السياسية، مع ارتفاع مستويات القلق بشأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومستقبل البلاد. 


لكن أهمية التقرير لا تكمن فقط في مضمون الأرقام، بل في طبيعة الأسئلة التي يطرحها على صانعي القرار الإيراني. فحين تصبح دراسة المزاج الشعبي أولوية داخل مؤسسات الدولة، فهذا يعني أن الثقة المقدسة بين الولي الفقيه والمجتمع الذي يؤمن بمرجعيته بدأت تتصدع. وهذه الثقة هي العنصر الأساسي الذي أنجح الثورة، وأرسى، حتى اليوم، دعائم الاستقرار الداخلي للنظام.


تشير المعلومات المتداولة عن الوثيقة إلى أن غالبية المشاركين عبّروا عن رغبتهم في حدوث تغيير، فيما ركّز التحليل على حالة الإحباط الناتجة عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين. ومع ذلك، تبقى تفاصيل العينة والمنهجية الإحصائية غير منشورة بشكل كامل، ما يستوجب التعامل مع النتائج بحذر.


ويأتي نشر هذه الوثيقة في مرحلة تُعدّ من أكثر المراحل حساسية التي تواجهها إيران منذ سنوات، في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على حدّ سواء. فإلى جانب العقوبات الدولية الخانقة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، تواجه طهران تداعيات المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة وتصاعد التوترات الإقليمية، بما يفرض أعباءً إضافية على النظام. ولم يُخفِ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حجم هذه التحديات، إذ أقرّ بوجود صعوبات اقتصادية عميقة ترتبط بالضغوط الخارجية وبالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، في اعتراف يعكس حجم الأزمة التي تواجهها الدولة الإيرانية.


غير أن السؤال الأعمق الذي يفرضه هذا التقرير لا يتمثل في حجم الغضب الشعبي فحسب، بل في الكيفية التي ستتعامل بها الدولة الإيرانية مع هذا الاحتقان المتصاعد. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الأزمات الكبرى لا تنفجر بسبب الضائقة الاقتصادية وحدها، بل عندما يتراكم لدى المواطنين شعورٌ بأن المؤسسات السياسية فقدت قدرتها على الاستجابة لتطلعاتهم واحتواء مطالبهم. ومن هنا، قد لا يكون التحدي الأخطر أمام القيادة الإيرانية هو إدارة المواجهات الخارجية أو احتواء الضغوط الدولية، بل استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، لأن شرعية أي نظام لا تُقاس بقدرته على مواجهة خصومه في الخارج، بقدر ما تُقاس بقدرته على طمأنة مواطنيه في الداخل.


إذا صحت مضامين الوثيقة، فهي لا تعني بالضرورة أن النظام الإيراني يواجه انهيارًا وشيكًا، لكنها تكشف أن ملف العلاقة بين الدولة والمجتمع أصبح من الملفات الأكثر حساسية على طاولة القرار في طهران.

فالمعركة في إيران قد لا تُحسم فقط في ساحات الحرب الخارجية، بل في قدرة النظام على الإجابة عن سؤال بسيط وعميق في آن واحد: ماذا يريد الإيرانيون فعلًا، وهل تمتلك السلطة القدرة على الاستماع إليهم؟